نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٧٧ - بعض بدائع ابن ظافر
من حضر الهناء ، من الفقهاء بالثغر والعلماء ، والمشايخ والكبراء ، وجماعة الديوان والأمراء ، واتّفق أن كان اليوم من أيام الجلوس لإمضاء الأحكام والعرض لطوائف الأجناد ، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من أهل المعسكر إلّا حضر مهنّيا ، ومثل شاكرا وداعيا ، فحين غصّ المجلس بأهله ، وشرق بجمع السلطان وحفله ، وخرج مولانا السلطان إلى مجلسه ، واستقرّ في دسته ، أخرج من بركة قبائه كتابا ناوله للصاحب الأجلّ صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي وزير دولته ، وكبير جملته ، وهو مفضوض الختام ، مفكوك الفدام ، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظّم كتبها إليه يتشوّقه ويستعطفه لزيارته ، ويرقّقه ويستحثّه على عود ركابه إلى بلاد الشام ، للمثاغرة [١] بها ، وقمع عدوّها ، ويعرض بذكر مصر وشدّة حرّها ، ووقد جمرها ، وذلك بعد أن كان وصل إلى خدمته بالثغر ثم رجع إليها ، والأبيات : [الكامل]
| أروي رماحك من نحور عداكا | وانهب بخيلك من أطاع سواكا | |
| واركب خيولا كالثعالي شزّبا | واضرب بسيفك من يشقّ عصاكا | |
| واجلب من الأبطال كلّ سميدع | يفري بعزمك كلّ من يشناكا [٢] | |
| واسترعف السّمر الطوال وروّها | واسق المنيّة سيفك السّفّاكا | |
| وسر الغداة إلى العداة مبادرا | بالضرب في هام العدوّ دراكا [٣] | |
| وانكح رماحك للثغور فإنها | مشتاقة أن تبتني بعلاكا | |
| فالعزّ في نصب الخيام على العدا | تردي الطّغاة وتدفع الملّاكا | |
| والنصر مقرون بهمّتك التي | قد أصبحت فوق السّماك سماكا | |
| فإذا عزمت وجدت من هو طائع | وإذا نهضت وجدت من يخشاكا | |
| والنصر في الأعداء يوم كريهة | أحلى من الكأس الذي روّاكا | |
| والعجز أن تضحي بمصر راهنا | وتحلّ في تلك العراص عراكا | |
| فأرح حشاشتك الكريمة من لظى | مصر لكي نحظى الغداة بذاكا | |
| فلقد غدا قلبي عليك بحرقة | شغفا ولا حرّ البلاد هناكا | |
| وانهض إلى راجي لقاك مسارعا | فمناه من كلّ الأمور لقاكا |
[١] في أ«للمثاعرة». وفي ب «للمشاغرة». وليسا بشيء. والمثاغرة : المرابطة في الثغور ضد العدو.
[٢] السميدع : الشجاع. ويشناك : أصلها يشنؤك ، أي يكرهك ، وخفف الهمزة لضرورة القافية.
[٣] دراكا : متلاحقا.