نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٨٢ - بين ابن مطروح البلنسي وأبي الربيع الكلاعي
| لا تحسبيني صبرت إلّا | كصبر ميت على النّزاع | |
| ما خلق الله من عذاب | أشدّ من وقفة الوداع | |
| ما بينها والحمام فرق | لو لا المناحات والنواعي [١] | |
| إن يفترق شملنا وشيكا | من بعد ما كان ذا اجتماع | |
| فكلّ شمل إلى افتراق | وكلّ شعب إلى انصداع | |
| وكلّ قرب إلى بعاد | وكلّ وصل إلى انقطاع |
واجتمع جماعة من الأدباء فيهم أبو الحسن سهل بن مالك والمهر بن الفرس وغيرهما بمدينة سبتة سنة ٥٨١ ، فتذاكروا محبوبا لهم يسكن الجزيرة الخضراء أمامهم ، فقالوا : ليقل كلّ واحد منكم [٢] شيئا فيه ، فقال سهل بن مالك : [الكامل]
| لمّا حططت بسبتة قتب النّوى | والقلب يرجو أن يحوّل حاله [٣] | |
| والجوّ مصقول الأديم كأنما | يبدي الخفيّ من الأمور صقاله | |
| عاينت من بلد الجزيرة مكنسا | والبحر يمنع أن يصاد غزاله [٤] | |
| كالشكل في المرآة تبصره وقد | قربت مسافته وعزّ مناله |
فقال الجماعة : والله لا يقول أحد منا بعد هذا شيئا.
ولمّا قرأ أبو محمد عبد الله بن مطروح البلنسي صداق إملاك ، وغيّر فيه حال القراءة لفظة «غير» برفع ما كان منصوبا أو بالعكس ، أنشد بديها بعد الفراغ معتذرا عن لحنه : [مخلعالبسيط]
| غيرت غيرا فصرت عيرا | وهكذا من يجدّ سيرا [٥] |
فأجابه الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي ، وكان إلى جانبه ، بديهة : [مخلع البسيط]
| ما أنت مما يظنّ فيه | بذاك جهل فظنّ خيرا [٦] |
[١] الحمام : الموت.
[٢] في ه : «كل واحد منا».
[٣] في القدح : «ولما أنخت بسبتة قتب النوى».
والقتب : الرحل الصغير.
[٤] المكنس والكناس : مسكن الظباء.
[٥] العير ـ بفتح العين وسكون الياء : الحمار الأليف أو الوحشيّ.
[٦] في ه : «ما أنت ممن يظنّ منه».