نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٧١ - بين الوزير ابن عمار ويحيى القصاب
فزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله ، وأمر له بجائزة سنيّة.
قال علي بن ظافر : وأخبرني أيضا أنّ سبب اشتهار ابن جاخ هذا أنّ الوزير أبا بكر بن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس ، لا يستقرّ ببلدة [١] ، ولا يستفزّه عن وطره [٢] وطن ، وكان كثير التطلّب لما يصدر عن أرباب المهن ، من الأدب الحسن [٣] ، فبلغه خبر ابن جاخ هذا قبل اشتهاره ، فمرّ على حانوته وهو آخذ في صناعة صباغته [٤] ، والنيل قد جرّ على يديه ذيلا ، وأعاد نهارهما ليلا ، فأراد أن يعلم سرعة خاطره ، فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء ، وأشار إلى يده ، وقال : [المجتث]
كم بين زند وزند؟
فقال :
ما بين وصل وصدّ
فعجب من حسن ارتجاله ، ومبادرة العمل واستعجاله ، وجذب بضبعه ، وبلغ من الإحسان إليه غاية وسعه.
وبلغني أيضا أنه دخل سرقسطة فبلغه خبر يحيى القصّاب السرقسطي ، فمرّ عليه ، ولحم خرفانه [٥] بين يديه ، فأشار ابن عمار إلى اللحم ، وقال : [المنسرح]
لحم سباط الخرفان مهزول
فقال :
يقول للمفلسين مه زولوا [٦]
[١] في ب : «لا يستقر ببلد». وكلاهما صحيح لورودهما في القرآن الكريم (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ) [النمل : ٩١] وقوله (فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ) [فاطر : ٩].
[٢] وطره : حاجته وهمته.
[٣] في ه : «من الأدب المحسن».
[٤] في ه : «صباغه».
[٥] في ه : «ولحم جزوره بين يديه».
[٦] في ب ، ه : «يقول يا مشترين مه زولوا».