نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٠٤ - إبراهيم بن الفخار اليهودي
وحدّث أبو حيّان عن قاضي القضاة أبي بكر محمد بن أبي النصر [١] الفتح بن علي الأنصاري الإشبيلي بغرناطة أنّ إبراهيم بن سهل الشاعر الإشبيلي كان يهوديّا ثم أسلم ، ومدح رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بقصيدة طويلة بارعة ؛ قال أبو حيان : وقفت عليها ، وهي من أبدع ما نظم في معناها ، وكان سنّ ابن سهل حين غرق نحو الأربعين سنة ، وذلك سنة تسع وأربعين وستمائة ، وقيل : إنه جاوز الأربعين ، وكان يقرأ مع المسلمين ويخالطهم ، وما أحسن قوله: [الطويل]
| مضى الوصل إلّا منية تبعث الأسى | أداري بها همّي إذا الليل عسعسا [٢] | |
| أتاني حديث الوصل زورا على النوى | أعد ذلك الزور اللذيذ المؤنسا | |
| ويا أيها الشوق الذي جاء زائرا | أصبت الأماني خذ قلوبا وأنفسا | |
| كساني موسى من سقام جفونه | رداء وسقّاني من الحبّ أكؤسا [٣] |
ومن أشهر موشّحاته قوله :
| ليل الهوى يقظان | والحبّ ترب السّهر [٤] | |
| والصبر لي خوّان | والنوم عن عيني بري |
وقد عارضه غير واحد فما شقّوا له غبارا.
وأما إبراهيم بن الفخار اليهودي [٥] فكان قد تمكّن عند الأذفونش ملك طليطلة النصراني ، وصيّره سفيرا بينه وبين ملوك المغرب ، وكان عارفا بالمنطق والشعر ؛ قال ابن سعيد : أنشدني لنفسه أديبا مسلما كان يعرفه قبل أن تعلو رتبته ويسفر بين الملوك ، ولم يزده على ما كان يعامله به من الإذلال ، فضاق ذرع ابن الفخار وكتب إليه : [الطويل]
| أيا جاعلا أمرين شبهين ما له | من العقل إحساس به يتفقّد | |
| جعلت الغنى والفقر والذلّ والعلا | سواء فما تنفكّ تشقى وتجهد | |
| وهل يستوي في الأرض نجد وتلعة | فتطلب تسهيلا وسيرك مصعد [٦] | |
| وما كنت ذا ميز لمن كنت طالبا | بما كنت في حال الفراغ تعوّد |
[١] في ب ، ه : «أبي بكر بن أبي نصر ..».
[٢] عسعس الليل : أظلم.
[٣] التشديد في «سقّاني» يدل على التكثير.
[٤] الترب : المماثل في السن ، وجمعه أتراب ، للمذكر والمؤنث.
[٥] انظر المغرب ج ص ٢٣.
[٦] التلعة : هنا ما انخفض من الأرض.