رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٧ - فصل
إلى معرفة ربه و خالقه و مصوّره، كما قال النبي، صلى اللّه عليه و سلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه. و مع جهله بهذه الأشياء أيضا، ربما يكون تاركا للعلم بكتاب اللّه و فهم أحكام شريعته و دينه و مفروضات سنن مذهبه، و لا يسعه تركها و لا الجهل بها.
و أما افتخاركم بأطبّائكم و المداوين لكم، فلعمري إنكم محتاجون إليهم ما دامت لكم البطون الرحبة، و الشهوات المؤذية، و النفوس الشرهة، و المأكولات المختلفة، و ما يتولد منها من الأمراض المزمنة، و الأسقام المؤلمة، و الأوجاع المهلكة تلجئكم إلى باب الأطباء، و لنعم ما قيل في الشعر:
|
إن الطبيب بطبّه و دوائه |
لا يستطيع دفاع مكروه أتى |
|
فزادكم اللّه أطبّاء، لأنه لا يرى على باب دكّان الطبيب إلّا كل عليل مريض سقيم، كما لا يرى على باب دكان المنجم إلّا كل منحوس أو منكوب أو خائف، لا يزيده المنجم إلّا نحسا على نحس، يأخذ قطعة و لا يقدر على تعجيل سعادة و لا تأخير منحسة إلّا زخرف القول غرورا تخمينا و حزرا بلا يقين و لا برهان.
و هكذا حكم المتطبّبين منكم يزيدون العليل سقما و المريض عذابا بالحمية من تناول أشياء ربما يكون شفاء العليل في تناولها، و هو ينهاه و يمنعه منها لجهله، و لو تركه مع حكم الطبيعة، لعله كان أسرع لبرئه و أنجح لشفائه، فافتخارك، أيها الإنسي، بأطبائكم و منجّميكم هو عليكم لا لكم.
فأما نحن فغير محتاجين إلى الأطباء و المنجمين، لأنّا لا نأكل إلّا قوت يوم، و بلغة يوم من لون واحد و طعام واحد، فلا تعرض لنا الأمراض المختلفة و الأعلال المتفنّنة، و لا نحتاج إلى الأطباء و لا إلى الشراب و الدّرياقات و فنون المداواة مما تحتاجون أنتم إليه. فهذه الأحوال كلها التي هي بالأحرار و الأخيار أشبه، و الكرام أولى؛ و تلك بالعبيد و الأشقياء أولى، و بهم أليق.