رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٧ - فصل في اعتبار أحوال الانسان بأحوال الموجودات حسب ما نبين هاهنا
بعقولهم، و تصفحوا تصرف أشخاص كلياته ببصائرهم، و اعتبروا فنون جزئياته برويّتهم، فلم يجدوا جزءا من جميع أجزائه أتم بنية، و لا أكمل صورة، و لا بجملته أشدّ تشبيها من الإنسان. و ذلك أنه لما كان الإنسان هو جملة مجموعة من جسد جسماني و نفس روحانية، وجدوا في هيئة بنية جسده مثالات لجميع الموجودات التي في العالم الجسماني من عجائب تركيب أفلاكه، و أقسام أبراجه، و حركات كواكبه، و تركيب أركانه و أمهاته، و اختلاف جواهر معادنه، و فنون أشكال نباته، و غرائب هياكل حيواناته.
و وجدوا أيضا لأصناف الخلائق الروحانيين من الملائكة و الجن و الإنس و الشياطين، و نفوس سائر الحيوانات، و تصرف أحوالها في العالم، تشبيها من النفس الإنسانية و سريان قواها في بنية الجسد.
فلما تبينت لهم هذه الأمور عن صور الإنسان، سمّوه من أجل ذلك عالما صغيرا. و نريد أن نذكر من تلك المثالات و تلك التشبيهات طرفا لكيما يكون دليلا على صحة ما قالوه، و بيانا لما وصفوه، و ليقرب أيضا على المتعلمين فهمها، و يسهل على الباحثين تأمّلها.
فصل في اعتبار أحوال الانسان بأحوال الموجودات حسب ما نبين هاهنا
فنقول: إن الموجودات لما كانت كلّها جواهر و أعراضا مجموعا منهما هيولى و صورا، و مركبا منهما، كما بينّا في رسالة الهيولى، و كانت الأعراض كلها جسمانية أو روحانية، كما بيّنا في رسالة العقل و المعقول.
و كان الإنسان إنما هو جملة مجموعة من جوهرين مقرونين، أحدهما هذا الجسد الجسمانيّ الطويل العريض العميق المدرك بطريق الحواس، و الآخر هذه النفس الروحانية العلامة المدركة بطريق العقل.