رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٠٧ - فصل في إدراك القوة السامعة
و أما القوة السامعة و القوة الباصرة، فإنهما تدركان محسوساتهما إدراكا روحانيّا قطعا.
فصل في إدراك القوة السامعة
أما إدراك القوة السامعة لمحسوساتها التي هي الأصوات، فاعلم أن الاصوات نوعان: حيوانية و غير حيوانية، و هي نوعان: طبيعية، و آلية. فالطبيعية الحجر و الحديد و الخشب و الرعد و الريح و سائر الأجسام التي لا روح فيها من الجامدات. و الآلية كصوت الطبل و البوق و الزّمر و الأوتار و ما شاكلها، و هو هواء يتقلّب بين جسمين متصادمين بعنف، فيصكّ الهواء الراكد في آلة السمع، و تحته أنواع كثيرة.
و الحيوانية نوعان: منطقية و غير منطقية، فغير المنطقية هي أصوات سائر الحيوانات الغير الناطقة، و المنطقية هي أصوات الناس، و هي نوعان:
دالّة و غير دالّة. فغير الدالّة كالضحك و البكاء، و بالجملة كل صوت لا هجاء له. و الدالّة هي كالكلام و الأقاويل التي لها هجاء، و هي تقطيع الصياح بانضمام أجزاء الفم، فتحدث منه حروف، كما تضم الشفتين بنوع ما فتحدث الباء، و تضم بنوع آخر فتحدث الميم. و كل هذه الأصوات إنما هي قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجسام. و ذلك أن الهواء لشدة لطافته و خفة جوهره و سرعة حركة أجزائه يتخلل الأجسام كلها، فإذا صادم جسم جسما انسلّ ذلك الهواء من بينهما بحميّة و تدافع و تموّج إلى جميع الجهات، فحدث من حركته شكل كروي، و اتسع كما تتسع القارورة من نفخ الزّجاج فيها، أو الماء الساكن إذا ألقي فيه حجر فيتزاحم الماء حتى يبلغ إلى أطراف الغدير.
و كلما اتسع ذلك الشكل ضعفت حركته و تموجه إلى أن يسكن و يضمحل.
فمن كان حاضرا من الناس و سائر الحيوانات التي لها أذن بالقرب من ذلك