رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٢ - فصل في بيان فضيلة النحل و عجائب أموره و تصاريف أحواله و ما خص به من الكرامات و المواهب دون غيره من الحشرات
البيوت، و جمع الذخائر فيها. و مما خصنا به أيضا و أنعم به علينا سبيل الرشاد. و مما خصنا أيضا و أنعم به علينا أن حلّل لنا الأكل من كل الثمرات و من جميع أزهار النبات. و مما خصنا و أنعم به علينا أن جعل اللّه في مكاسبنا و ذخائرنا و ما يخرج من بطوننا شرابا حلوا لذيذا فيه شفاء للناس، و تصديق مما قال اللّه تعالى: «وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً، وَ مِنَ الشَّجَرِ، وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ».
و مما خصنا به ربنا أيضا و أنعم به علينا أن جعل خلقة صورتنا و هياكلنا، و جميل أخلاقنا و حسن أفعالنا و أعمالنا، و تصاريف أمورنا، و حسن سياستنا، و تدبير رعيتنا عبرة لأولي الألباب و آية لأولي الأبصار. و ذلك أن اللّه تعالى بحكمته جعل خلقتنا خلقة لطيفة، و بنيتنا بنية ظريفة، و صورتنا صورة عجيبة، و ذلك أنه تعالى جعل بنية جسدنا ثلاثة مفاصل مخروزة، فوسط جسدنا مربّع مكعّب، و مؤخّر جسدنا معوجّ مدبّج مخروط، و رأسنا مدوّر مبسوط. و ركّب في وسط أبداننا أربع أرجل و يدين متناسبات المقادير، كأضلاع الشكل المسدّس في الدائرة، لنستعين بها على القيام و القعود و الوقوع و النهوض، و نقدر على أساس بناء منازلنا. و بيوتنا مسدّسات مكتنفات، ففي بنيان بيوتنا و أشكال منازلنا إلهامات ربّانية، و معقولات روحانية، إذ عجز الرياضيون عن موضوعات أشكالنا، و تسديسات منازلنا. و الغرض من المتساوية الأضلاع و الزوايا المكشوفات كيلا يدخلها الهواء، فيضر بأولادنا، و يفسد شرابنا الذي هو قوتنا و ذخائرنا.
و بهذه الأربع الأرجل و اليدين نجمع من ورق الأشجار و زهر الأثمار الرطوبات الدّهنية التي نبني بها منازلنا و بيوتنا. و جعل اللّه على كتفي أربعة أجنحة حريرية النسج آلة لي في الطيران في جو الهواء، مستقلّا بها. و جعل مؤخّر بدننا مخروط الشكل، مجوّفا مدرجا مملوءا بالهواء، ليكون موازنا