رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٥ - فصل في أن الجسد كالدار و أن النفس كالساكن في الدار
مختلفة و حركات متباينة.
فهكذا حال النفس تبصر بالعينين، و تسمع بالأذنين، و تشم بالمنخرين، و تذوق باللسان، و تتكلم بالشفتين و اللسان، و تمسّ باليدين، و تعمل الصنائع بالأصابع، و تمشي بالرجلين، و تبرك على الركبتين، و تقعد على الأليتين، و تنام على الجنبين، و تستند بالظهر، و تحمل الأثقال على الكتفين، و تتفكر بوسط الدّماغ الأشياء، و تتخيل بمقدّم الدماغ المحسوسات، و تحفظ بمؤخّر الدماغ المعلومات، و تصوّت بالحلقوم، و تستنشق الهواء بالخياشيم، و تقطع الطعام بالأسنان، و تزدرد بالمريء[١] و ما شاكل ذلك. و بالجملة ما من عضو في الجسد إلّا و للنفس فيه ضرب من الأفعال، و فنون من الأعمال.
ثم اعلم أن هذا الجسد لهذه النفس الساكنة فيه، يشبه مدينة عامرة بأهلها، مأنوسة بسكانها. و حالات الجسد تشبه حالات المدينة، و تصرّف النفس يشبه تصرفات أهل المدينة فيها. و ذلك أن لهذا الجسد أعضاء و مفاصل تشبه المحالّ في المدينة. و في تلك الأعضاء و المفاصل أوعية و مجار تشبه المنازل في المحالّ.
و في تلك الأوعية و المجاري حجب و أغشية تشبه البيوت في منازل الأسواق في المحالّ و الدكاكين في الأسواق.
بيان ذلك أن الأعضاء و المفاصل تشبه المحالّ في المدينة، فالرأس و ما حوى، و الصدر و ما وعى، و البطن و ما ملئ، و الرّجلان و البدن.
و أما الأوعية و المجاري التي تشبه المنازل في المحالّ، فالدماغ و القلب و الرئة و الطّحال و المرارة و المعدة و المصارين و الأمعاء و الكليتان و العروق و أما الحجب و الأغشية التي تشبه البيوت في المنازل و الدكاكين في الأسواق، فالتجويفات التي في الدماغ و الرئة، و التي في القلب، و التي في العظام و غير ذلك.
[١] -المريء: مجرى الطعام و الشراب و هو رأس المعدة و الكرش اللاصق بالحلقوم.