رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٠ - فصل في كيفية تركيب الجسد و كيفية أخلاط البدن و مزاج الطبائع
حالات النفس، و الظاهر يدل على الباطن، و المكشوف على المستور، و الجليّ على الخفيّ، و المحسوس على المعقول. و قد قلنا في الرسالة الأولى إن الجسد مؤلف من اللحم و الدم و العظام و العروق و العصب و الجلد و ما شاكلها. و هذه كلها أجسام أرضية ميتة مظلمة ثقيلة متجزئة متغيرة فاسدة.
و أما النفس فإن جواهرها سماوية روحانية ناطقة نورانية غير ثقيلة و لا متجزئة و غير فاسدة بل متحركة باقية علّامة درّاكة لصور الأشياء و حقائقها.
فصل في كيفية تركيب الجسد و كيفية أخلاط البدن و مزاج الطبائع
فنقول: اعلم، وفقك اللّه، أن الباري تعالى لما خلق الجسد و سوّاه، و نفخ فيه من روحه و أحياه، ثم أسكن فيه النفس و أولاه، و كان مثل أساس بنية الجسد و تركيب أجزائه و تأليف أعضائه كمثل أساس بناء مدينة بنيت من أشياء مختلفة كالحجارة و الطين و الآجرّ و النّورة و الرمال و الخشب و الأجذاع و الحديد و ما شاكلها، فأحكم بنيتها، و شيد بنيانها، و حصّن سورها، و خطّطت شوارعها، و قسمت محالّها، و زيّنت مجالسها، و رتبت منازلها، و ملئت خزائنها، و أسكنت دورها، و سلكت طرقاتها، و أجريت أنهارها، و فتحت أسواقها، و استعمل صناعها، و أقعد فيها تجارها، و دبّرها ملكها و خدمة أهلها.
و ذلك أن اللّه تعالى لما أراد تركيب الجسد ابتدأ أولا فاخترع أربع طبائع منفردات، متعاديات القوى بسلطانها بعضها على بعض، ثم ألّف بين كل اثنتين منها و أربعة أركان مزدوجات مؤتلفات الطبائع متناسبات القوى من أركانها.
ثم أسس بنية هذا الجسد من هذه الأربعة الأركان التي هي أساس لبنيانها،