رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٣٠ - فصل
ليتبين أولا رسم الدار، و يتمّم البيوت و الممرّات و المجالس. و هذه مدة تكوين الدار و إيجادها. ثم يصرف عنايته و تدبيره بعد ذلك في تتميمها من تعليق الأبواب و الشبابيك، و نصب البازير، و تزيين السطوح، و تجصيص الحيطان، و تزويق السقوف و النقوش، و ما شاكلها من التتميم. ثم يبقى بعد ذلك كمال الدار، و هو أن تفرش و تعلق الستور، و تملأ الخزائن من الأموال و الأثاث، و يسكنها رب الدار، و يتمتع إلى حين.
فهكذا يجري يا أخي أمر تركيب جسد الإنسان، و اقتران النفس معه من يوم مسقط النّطفة و تعلّق النفس بها، إلى يوم يموت الجسد، و هو أن تفارق النفس الجسد، و يدفن في التراب. و هذه المدّة هي بمقدار دور واحد من أدوار تلك الأشخاص الفلكية كما بينا في رسالة الأدوار و الأكوان.
فلا ينبغي لك يا أخي أن تتوهم أن تظن أن هذه الكواكب و الأفلاك و البروج التي ذكرنا أفعالها و تأثيراتها في تركيب الجسد الإنساني هي آلات و أدوات للباري، جل ثناؤه، يخلق بها الإنسان، بل إنما هي آلات و أدوات للنفس الكلية الفلكية. و هذه النفس هي عبد مطيع للباري تعالى، فقد أيدها بالعقل الكلّي الذي هو ملك من ملائكته المقرّبين «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لمن في الأرض» كما ذكر في كتابه على لسان نبيه محمد، صلى اللّه عليه و آله، و ستعلم يا أخي حقيقة هذه الأسرار و المرامي، إذا انتبهت لنفسك من نوم الغفلة، و استيقظت من رقدة الجهالة، و ارتفعت في المعارف الرّبانية، و ارتضت في العلوم الإلهية، إذا بعثت يوم القيامة، و شاهدت ملكوت رب العالمين، و وقفت على جبل الأعراف مع النبيين و الصّدّيقين و الشهداء و الصالحين، و حسن أولئك رفيقا.
و إذ قد فرغنا من ذكر تأثير الكواكب في النّطفة مجملا، فنريد أن نذكر طرفا من تأثيراتها في كل شهر، و تردادها في أفعالها، إذا كان بعضها في بيوت بعض، و حدودها.