رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٢ - فصل
و لتعلم علما يقينا أنك منتقل من هاهنا إلى حالة اخرى بعد الموت، و تنشأ نشأة أخرى، فكن مستعدّا للرحلة، و تزوّد للسفر قبل فناء العمر و تقارب الأجل، و هو أن تتخلّق بأخلاق الملائكة، و تتزيّن بشمائلها، و تترك أخلاق إخوان الشياطين و جنود إبليس أجمعين. و قد بيّنّا كيفيّة ذلك في رسائلنا الإحدى و الخمسين رسالة فاعرف من هناك إن شاء اللّه.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن المصنوع المحكم يدلّ على الصانع الحكيم، و إن كان الصانع الحكيم محتجبا عن إدراك الأبصار. و كلّ عاقل، إذا تأمل أحوال النبات من فنون أشكال أصولها، و امتداد عروقها في الأرض، و تفرّع أغصانها في الهواء، و تقطيع أوراقها في فنون الأشكال، و ألوان أزهارها من الأصباغ، و اختلاف صور حبوبها و أشكال أثمارها من الصّغر و الكبر، و اختلاف ألوانها و طعومها و روائحها، يتبيّن له و يعلم علما ضروريّا بأن لها صانعا حكيما، لأن عقله يشهد له بأن الأركان الأربعة المتضادّة القوى المتنافرة الطباع لا تجمع و لا تأتلف و لا تصير على هذه الأوصاف التي تقدّم ذكرها إلّا بقصد صانع حكيم لا يشكّ فيه، لكن إذا لم يتفكّر في كيفيّة صنعته، لم فعل هكذا، و لم يفعل كذا و كذا؟ لا يفهم و لا يدري و لا يتصوّر له ذلك، فمن أجل هذا احتجنا إلى أن نذكر من هذا الفن طرفا ليزداد علما كلّ من يسمعه و يتفكّر فيه.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن النبات مصنوعات ظاهرة جليّة لا تخفى، و لكنّ صانعها و علّتها باطنة خفيّة محتجبة عن إدراك الأبصار لها، و هي التي يسمّيها الفلاسفة القوى الطبيعية، و يسمّيها الناموس الملائكة و جنود اللّه الموكّلين بتربية النبات و توليد الحيوانات و تكوين المعادن، و نحن نسمّيها النفوس الجزئيّة. و العبارات مختلفة و المعنى واحد، و إنما نسبت الفلاسفة و الحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطبيعية، و صاحب الشّرع إلى الملائكة، و لم ينسبها إلى اللّه تعالى، لأنه يجلّ الباري، جلّ ثناؤه، عن