رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٣ - فصل في بيان العداوة بين بني الجان و بين بني آدم و كيف كانت
في الأحجار تظهر عند احتكاكها فتشتعل بالكباريت، فتحترق المنازل و الأسواق، و نعوذ بالله من ظفر الأشرار، و دولة الفجّار و العار و البوار.
فلما سمع الملك و الجماعة هذه القصة العجيبة، أطرقت مفكّرة فيما سمعت. ثم قال الملك للحكيم: فما الرأي الصواب عندك في أمر هذه الطوائف الواردة المستجيرة بنا، و على أي حال نصرفهم من بلادنا راضين بالحكم الصواب؟
قال الحكيم: الرأي الصواب لا يسنح إلّا بعد التثبّت و التأنّي بالفكر و الروية و الاعتبار بالأمور الماضية. و الرأي عندي أن يجلس الملك غدا في مجلس النّظر، و يحضر الخصوم و يسمع عنهم ما يقولون من الحجّة و البيان ليتبيّن له على من يتوجّه الحكم، ثم يدبّر الرأي بعد ذلك.
قال صاحب العزيمة: أ رأيتم إن عجزت هذه البهائم عن مقاومة الإنس في الخطاب لقصورها عن الفصاحة و البيان، و استظهرت الإنس عليها بذرابة ألسنتها و جودة عبارتها و فصاحتها، أ ترى أن تبقى هذه البهائم أسيرة في أيديهم ليسموها سوء العذاب دائما؟
قال: لا و لكن تصير هذه البهائم في الأسر و العبودية إلى أن ينقضي دور القرآن، و يستأنف نشوء آخر، و يأتي اللّه لها بالفرج و الخلاص كما نجّى آل إسرائيل من عذاب فرعون، و كما نجّى آل داود من عذاب بختنصّر، و كما نجّى آل حمير من عذاب آل تبّع، و كما نجّى آل ساسان من عذاب اليونان، و كما نجّى آل عمران من عذاب أردشير. فإن أيام هذه الدنيا دول بين أهلها تدور بإذن اللّه تعالى و سابق علمه و نفاذ مشيئته بموجبات أحكام القرانات و الأدوار في كل ألف سنة مرّة، أو في كل اثني عشر ألف سنة مرة، أو في كل ستة و ثلاثين ألف سنة مرة، أو في كل ثلاثمائة ألف و ستين ألف سنة مرة، أو في كل يوم مقداره خمسون ألف سنة مرة.
فاعلم جميع ذلك.