رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٤ - فصل
يظن أن الهيولى لا تقبل إلّا تلك الصورة، أو يقول إن الحكمة لا تقتضي غير ذلك. فإن توهّم و ظن أنه ليس في قدرة الصانع غير ذلك، فإن عقله ينكر ذلك عليه، لأن من يقدر على اختراع مصنوع فهو على تغيير بنيته أقدر؛ و إن ظنّ أو توهم بأن الهيولى لا تقبل غير ذلك من الصّور، فكيف، و هي موضوعة لقبول جميع الصّور، فقد أخطأ. و إن قال إن الحكمة لا تقتضي غير ذلك، فما وجه المنع في الحكمة أن يخرج عجل من رحم ناقة، أو جمل من رحم بقرة، أو جدي من رحم عنز، أو فرّوج من بيضة حمامة؟ بيّن لنا ذلك.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن لكل نوع من النبات أصلا، فما أصله لكيموس[١] ما، و لكيموسه مزاج ما، لا يتكوّن من ذلك المزاج إلّا ذلك الكيموس و لا يتكوّن من ذلك الكيموس إلّا ذلك النوع من النبات، و إن كان يسقى بماء واحد، و ينبت في تربة واحدة، و يلحقها نسيم هواء واحد، و تنضجها حرارة شمس واحدة. فالهيولى الأولى موضوعة القبول جميع الصّور، و لكن الهيولات الثواني كلّ واحدة منها لا تقبل الصّور إلا بأعيان مخصوصة.
و المثال في ذلك أن التراب و الماء موضوعة لشجرة الحنطة و لشجرة القطن، و لكن من القطن لا يجيء إلّا الغزل، و من الغزل الثوب، و من الثوب القميص و غيره؛ و من الحنطة لا يجيء إلّا الدقيق، و من الدقيق العجين، و العجين الخبز.
فعلى هذا المثال و القياس تختلف أحوال النبات، و ذلك أن رطوبة الماء و لطائف أجزاء التراب، إذا حصلت في عروق النبات، تغيّرت و صارت كيموسا على مزاج ما لا يجيء من ذلك الكيموس و المزاج غير ذلك النوع من النبات، و كذلك حكم أوراقه و نوره و ثمره و حبّه.
[١] -الكيموس: الخلط، أو الحالة التي يكون عليها الطعام بعد فعل المعدة فيه، يونانية ممرّبة.