رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩ - فصل في أنه ليس خارج العالم لا خلاء و لا ملاء
فصل في أنه ليس خارج العالم لا خلاء و لا ملاء
اعلم يا أخي أن هذه الإحدى عشرة كرة هي جملة العالم و مساكن الخلائق أجمعين، و قد ظن كثير بالأوهام أن وراء الفلك المحيط جسم آخر و خلاء بلا نهاية، و كلا الحكمين خطأ لا حقيقة له، لأنه قد قام بالبرهان العقلي أن الخلاء غير موجود أصلا، لا خارج العالم و لا داخله، لأن معنى الخلاء هو المكان الفارغ الذي لا متمكّن فيه كما وصفنا، و المكان صفة من صفات الأجسام و هو عرض و لا يقوم إلّا بالجسم و لا يوجد إلّا معه، فمن ادّعى أن خارج العالم جسم آخر من أجل الوهم الذي يتخيّله فهو المطالب بالدليل على دعواه.
و اعلم أن الوهم قوة من قوى النفس و هي تتخيل ما لا حقيقة له و ما له حقيقة، فليس ينبغي أن يحكم على متخيّلاتها أنها حق و باطل دون أن تشهد لها إحدى القوى الحسّاسة، و يقوم عليها برهان ضروري أو يقضي لها العقل.
و اعلم أن حكم العقل هو الذي يتساوى فيه العقلاء، و كلّهم لم يتفقوا على أن خارج العالم جسم آخر، لأن الحسّ لم يدركه، و العقل لم يقض به، و البرهان لم يقم عليه، فأيّ قضية تحكم أن هناك جسما آخر غير تخيّل الأوهام الكاذبة، فإن كان هناك جسم آخر كما ادّعى المدّعي، فلا يمكن أن يكون من ورائه شيء آخر، لأن الجسم ذو نهاية، و الخلاء ليس بموجود ببراهين قد قامت كما ذكرنا. فأما الدليل على أن كل جسم ذو نهاية فقد اتفقت عليه الآراء النبوية و الفلسفية جميعا. و ذلك أن من الرأي النبوي ان كل جسم مخلوق، و كلّ مخلوق ذو نهاية في أوّليّة العقل، و من الرأي الفلسفي أن كلّ جسم مركّب من هيولى و صورة، و كلّ مركب ذو نهاية في أوّليّة العقل.