رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٩ - فصل
الحمد و المنّ و الشكر و الفضل و الثناء و الآلاء و النعماء، و هو أرحم الراحمين، و أحكم الحاكمين، و أحسن الخالقين! و أما الذي ذكرت بأن منكم الشعراء و الخطباء و المتكلمين و المذكّرين و ما شاكلهم، فلو أنكم فهمتم منطق الطير و تسبيح الحشرات و الهوام، و تهليلات البهائم، و تذكار الصّرصر، و دعاء الضّفدع، و مواعظ البلابل، و خطب القنابير، و تسبيح و تكبير الكراكي، و أذان الديك، و ما يقول الحمام في لحنه، و قراءة القماريّ، و نعيب الغراب الكاهن من الزجر، و ما تصف الخطاطيف من الأمور، و ما يخبر الهدهد، و ما يقول النمل، و ما يزعم النحل، و وعيد الذباب، و تحذير البق، و غيرها من الحيوانات ذوات الأصوات و الطنين و الزمير، لعلمتم، معشر الإنس، و تبين لكم أن في هذه الطوائف خطباء و فصحاء و متكلمين و واعظين و مذكّرين و مسبّحين مثل ما في بني آدم، فلما ذا افتخرتم علينا بخطبائكم و شعرائكم و من شاكلهم؟
و كفى دلالة و برهانا على ما قلت و ذكرت قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.» فنسبكم إلى الجهل و قلة العلم و الفهم بقوله: لا تفقهون. و نسبنا إلى العلم و الفهم و المعرفة بقوله تعالى: «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ!» قالها على سبيل التعجب لأنه يعلم كل عاقل أن الجهل لا يستوي مع العلم لا عند اللّه و لا عند الناس. فبأي شيء تفتخرون علينا، يا معشر الإنس، و تدّعون أنكم أرباب و نحن عبيد لكم، مع هذه الخصال التي فيكم، كما بيّنّا قبل غير قول الزور و البهتان؟
فأما الذي ذكرت من أمر المنجمين و الراقين منكم، فاعلموا أن لهم تمويهات و توهيمات و تلبيسات، و رزقا رقيقا ينفق على الجهلاء من العوامّ و الخواصّ و النساء و الصبيان و الحمقى، و يخفى عليكم أيضا، و على كثير من العقلاء و الأدباء، و ذلك أن أحدهم يخبر بالكائنات قبل كونها، و يرجم