رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٨ - فصل في اعتبار أحوال الانسان بأحوال الموجودات حسب ما نبين هاهنا
فلما كان الجسد بنية مؤلفة من أعضاء مختلفة الأشكال، كاليدين و الرجلين و الرأس و الرقبة و الظّهر و الوركين و الرّكبتين و الساقين و القدمين؛ و كانت كل واحدة منها أيضا مركّبة من أعضاء مختلفة الصّور، متشابهة الأجزاء، كالعظم و العصب و العروق و اللحم و الجلد و ما شاكلها، كما بينّا في رسالة تركيب الجسد، و كانت هي أيضا مكوّنة من الأخلاط الأربعة التي هي الدم و البلغم و المرّتان. و هي أيضا متولدة من الكيموس[١]، و الكيموس من الغذاء، و الغذاء من النبات، و النبات من الأركان الأربعة، كما بيّنا في رسالة النبات. و كلّ واحدة مقوّمة من طبيعتين من الطباع الأربع المعلومة، كما بينّا في رسالة الكون و الفساد؛ و كل واحدة منها صور متمّمة للجسم، و صور مقوّمة لشيء آخر من الأجسام الطبيعية، كما بيّنا في رسالة الهيولى و الصورة.
و لما كان الهيولى و الصورة أيضا جوهرين بسيطين، روحانيين، معقولين، مخترعين مبدعين، كما شاء باريهما، جل جلاله، للفعل و الانفعال، قابلين بلا كيف و لا زمان و لا مكان، بل بقوله: كن فكان، كما بيّنا في رسالة المبادي العقلية.
و لما كان الإنسان حاله ما ترى، و هو، كما أخبرنا، أنه جملة مجموعة من جسد ظلمانيّ، و نفس روحانية، صار، إذا اعتبر حال جسده، و ما فيه من غرائب تركيب أعضائه، و فنون تأليف مفاصله، يشبه دارا لساكنها.
و إذا اعتبر حال نفسه و عجائب تصرفاتها في بناء هيكل جسده، و سريان قواه في مفاصل بدنه، يشبه ساكنا في منزله مع خدمه و أهله و ولده. و من وجه آخر إذا اعتبر، وجد بنية جسده مع اختلاف أشكال أعضائه، و افتنان تأليف مفاصله، يشبه دكّانا للصانع.
[١] -الكيموس: الحالة التي يكون عليها الطعام بعد فعل المعدة فيه.