رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦ - فصل في أقاويل الحكماء في ماهية الحركة
و ليست حركته إلى جهة أولى به من جهة، فالسكون به إذا أولى من الحركة.
و اعلم أن الحركة، و إن كانت صورة، فهي صورة روحانية متمّمة تسري في جميع أجزاء الجسم، و تنسلّ عنه بلا زمان كما يسري الضوء في جميع أجزاء الجسم الشفّاف و ينسلّ عنه بلا زمان، فإنك ترى السراج إذا دخل البيت أضاء البيت من أوله إلى آخره دفعة واحدة، و إذا خرج أظلم الهواء في البيت دفعة واحدة بلا زمان؛ و كذلك الشمس إذا طلعت بالمشرق أضاء الهواء من المشرق إلى المغرب دفعة واحدة، فإذا غابت بالمغرب أظلم الهواء دفعة واحدة، فالحرارة إذا بدت تدبّ، أولا فأولا يحمى الجوّ بزمان، و كذلك إذا طلعت الشمس، يحمى الجوّ أولا فأولا بزمان، و كذلك إذا غابت الشمس برد الهواء أولا فأولا بزمان.
و اعلم أن الحركة حكمها كحكم الضوء، و ذلك لو أن خشبة طولها من المشرق إلى المغرب نصبت ثم جذبت إلى المشرق أو إلى المغرب عقدا واحدا، لتحركت جميع أجزائها دفعة واحدة.
و اعلم أن بعض أفعال النفس في الجسم بزمان، و بعض أفعالها بلا زمان، دلالة على أن جوهرها فوق الزمان، لأن الزمان مقرون بحركة الجسم، و الجسم مفعول النفس، و أن النفس لما جعلت الجسم الكلّيّ كريّ الشكل الذي هو أفضل الأشكال، جعلت حركته أيضا الحركة المستديرة التي هي أفضل الحركات.