رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٠ - فصل في بيان العداوة بين بني الجان و بين بني آدم و كيف كانت
تبيّن لها فضله عليها.
و لما علم عزازيل ذلك ازداد بغضا واحدا، و احتال لهما بالمكر و الخديعة و الحيل و الدغل و الغشّ، ثم أتاهما بصورة الناصح فقال لهما: لقد فضّلكما ربّكما بما أنعم به عليكما من الفصاحة و البيان، و لو أكلتما من هذه الشجرة لازددتما علما و بقيتما هاهنا خالدين آمنين لا تموتان. فاغترّا بقوله لما حلف لهما أني لكما لمن الناصحين، و حملهما الحرص فتسابقا و تناولا ما كانا منهيّين عنه.
فلما أكلا منها تناثرت شعورهما و انكشفت عوراتهما و بقيا عريانين، و أصابهما حرّ الشمس فاسودّت أبدانهما و تغيّرت ألوان وجوههما. و رأت الحيوان حالهما فأنكرتهما و نفرت منهما و استوحشت من سوء حالهما. و أمر الحيوان حالهما فأنكرتهما و نفرت منهما و استوحشت من سوء حالهما. و أكر اللّه تعالى الملائكة: أن أخرجوهما من هناك، فرموهما إلى أسفل الجبل، فوقعا في برّية قفراء لا نبت فيها و لا ثمر، و بقينا هناك زمانا طويلا يبكيان و ينوحان حزنا و أسفا على ما فاتهما، نادمين على ما كان منهما.
ثم إن رحمة اللّه تعالى تداركتهما فتاب اللّه تعالى عليهما، و أرسل ملكا يعلّمهما الحرث و الزرع و الدّراس و الحصاد و الطّحن و الخبز و الغزل و الطّبخ و الخياطة و اتخاذ اللباس.
ثم لما توالدا و تناسلا و كثرت ذرّيتهما، خالطهم أولاد بني الجانّ و علّموهم الصنائع و الحرث و الغرس و البنيان و المنافع و المضارّ، و صادقوهم و توددوا إليهم و عاشروهم مدة من الزمان بالحسنى، و لكن كلما ذكر بنو آدم ما جرى على أبيهم من كيد عزازيل و عداوته لهم امتلأت قلوب بني آدم غيظا و حقدا على بني الجانّ. فلما قتل قابيل هابيل اعتقدت أولاد هابيل بأن ذلك من تعليم بني الجان، فازدادوا غيظا و عداوة، و طلبوهم كل مطلب، و احتالوا عليهم بكل حيلة من العزائم و الرّقى و المنادل و الدّخن و دخان النّفط و الكبريت و الحبس في القوارير و العذاب بألوان الدّخان و البخارات