رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٣ - فصل في بيان خطبة الصرصر و حكمته
لجعل لحومنا سببا لدفع تلك السموم. و ذلك أن الأطباء الأقدمين قد وجدوا في لحومنا قوة تقاوم سمومنا، فأدخلوا لحومنا في الترياق، لتقاوم السّم، و لكن أكثر الناس لا يشكرون.
قال الصرصر: أفدنا أيها الحكيم فائدة أخرى، و عرّفنا لنكون على علم منها.
قالت الحية: نعم أيها الخطيب الفاضل. اعلم بأن الباري الحكيم لما خلق هذه الحيوانات التي ذكرتها في خطبتك، و قلت إنه أعطى كل جنس منها أدوات و آلات لتجر المنفعة، أو لتدفع المضرّة، فأعطى بعضها معدة حارّة، أو كرشا، أو قانصة، فينضح الكيموس فيها بعد المضغ الشديد، و يصير غذاء لها، و لم يعط الحيّات معدة حارة، و لا قانصة، و لا كرشا، و لا أضراسا تمضغ اللحوم، فإنه جعل في فكّيها عوضا منها سمّا حارّا منضجا لما تأكل من اللّحمان، و ذلك أنها إذا قبضت على جثة الحيوانات، و حصلت بين فكّيها قلبت من ذلك السم عليها لمضغها من ساعتها، و تبلعها و تزدردها و تستمرئها. فلو لم يكن هذا السم لما استمرأت الأكل، و لا حصل لها غذاء، و لماتت جوعا و ضرّا، و هلكت عن آخرها، و ما بقي أحد منها في ديار.
قال الصرصر: لعمري، قد تبين لي منفعة السم، فما منفعة الحيات للحيوان، و ما الحكمة و الفائدة في خلقتها و كونها في الأرض بين الهوامّ؟
قالت: كمنفعة السباع و كونها بين الوحوش و الأنعام و البهائم، و كمنفعة كون التّنّين في البحر، و الكواسج[١] و التماسيح، و كمنفعة النسور و العقبان و الجوارح في الطيور.
قال الصرصر: زيديني بيانا! قالت: نعم، إن اللّه، جل ثناؤه، أبدع الخلق و اخترعه بقدرته، و دبر
[١] -الكواسج: جمع كوسج، و هو سمك خرطومه كالمنشار.