رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧١ - فصل في بيان خطبة الصرصر و حكمته
قد ألبسه اللّه من الجلود الثخينة الجزلة، كالسّلحفاة و السرطان و الحلزون و ذوات الأصداف من حيوان البحر. و منها ما تدفع المكاره و الضرر عن نفسها بإدخال رءوسها تحت أبدانها كالقنفد.
أما فنون تصاريفها في طلب المعايش و المنافع، فمنها ما يصل إليه و يهتدي إليه بجودة النظر و شدّة الطيران كالنسور و العقبان. و منها بجودة الشم كالنمل و الجعلان[١] و الخنافس و غيرها. و منها ما يهتدي و يصل إليه بجودة الذوق كالسمك و غيرها من حيوان الماء. و منها بجودة الاستماع و الأوصاف كالنسر.
و لما منع الباري الحكيم هذه الطوائف و الحيوانات الصغار الجثة، الضعاف القوى و البنية، القليلة الحيلة هذه الآلات و الأدوات و الحواسّ و جودتها، لطف بها و كفاها مؤونة الطلب و أسباب الهرب، و ذلك انه جعلها في مواضع كنينة و أماكن حريزة، إما في الثّقاب، و إما في حب النبات، و إما في أجواف الحيوانات الكبار، أو في الطين أو في السّرقين؛ و جعل غذاءها مختصّا بها، و موادّها حواليها، و جعل في أبدانها قوى جاذبة تمتص بها الرطوبات المغذّية لأبدانها، المقوّية لأجسادها؛ و لم يحوجها إلى الطلب و لا إلى الهرب.
فمن أجل هذا لم يخلق لها رجلين تمشي، و لا يدين تتناول، و لا فما يفتح، و لا أسنانا تمضغ، و لا حلقوما يبلع، و لا مريّا[٢] يزدرد، و لا حوصلة تنقع فيها، و لا قانصة و لا معدة و لا كرشا ينطبخ الكيموس فيها، و لا أمعاء و لا مصارين للثقل، و لا كبدا تصفّي الدم، و لا طحالا تجذب فضلات الكيموس[٣] الغليظة، و لا مرارة تجذب اللطيفة، و لا كليتين و لا مثانة تجذب البول، و لا أورادا يجري الدم فيها للنبض، و لا أعصابا من الدماغ للحس، و لا تعرض لها الأمراض المزمنة، و العلل المؤلمة، و لا تحتاج إلى دواء و لا
[١] -الجعلان: جمع جعل، و هو خنفسه سوداء، مغمدة الاجنحة.
[٢] -المري: العرق الذي يمتلئ و يدرّ باللبن.
[٣] -الكيموس: الحالة التي يكون عليها الطعام بعد فعل المعدة فيه.