رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٧ - فصل في بيان حسن طاعة الجن لرؤسائها و ملوكها
قال: نعم، أ لا ترى أيها الحكيم أن الحواس الخمس في إدراكها محسوساتها، و إيرادها أخبار مدركاتها إلى النفس الناطقة، لا تحتاج إلى أمر و لا نهي، و لا وعد و لا وعيد، بل كلما همّت النفس الناطقة بأمر محسوس، امتثلت الحاسة لما همت به النفس، و أدركتها و أوردتها إليها بلا زمان و لا تأخير و لا إبطاء.
و هكذا طاعة الملائكة لرب العالمين الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم، و يفعلون ما يؤمرون، الذي هو رئيس الرؤساء، و ملك الملوك، و رب الأرباب، و مدبر الكل، و خالق الجميع، و أحكم الحاكمين. لو كان فيهما آلهة إلّا اللّه لفسدتا، فسبحان اللّه رب العالمين.
و أما الأشرار و الكفار و الفسّاق من الجن فإنها أحسن طاعة لرؤسائها، و أطوع انقيادا لملوكها من أشرار الإنس و فجّارهم و فسّاقهم. و الدليل على ذلك حسن طاعة مردة الجن لسليمان، ٧، لما سخّرت له فيما كان يكلّفها من الأعمال الشاقة و الصنائع المتعبة، فيجعلون له ما يشاء من محاريب، و تماثيل، و جفان كالجواب[١]، و قدور راسيات.
و من الدليل أيضا على حسن طاعة الجن لرؤسائها ما قد عرفه بعض الإنس الذين يسافرون في المفاوز و الفلوات، أن أحدهم إذا نزل بواد يخاف فيه من لمم[٢] الجن، و يسمع دويهم و زجلاتهم، فيستعيذ برؤسائها و ملوكها، و يقرأ آية من القرآن و الإنجيل و التوراة، و يستجير بها عنهم و عن تعرضهم و أذيتهم، فإنهم لا يتعرضون له ما دام في مكانه.
و من حسن طاعة الجن لرؤسائها أنه إذا تعرض أحد من المردة و شياطين الجن لأحد من بني آدم بتخيّل أو فزعة أو تخبّط أو لمم، فيستعين المعزّم[٣]
[١] -الجواب، جمع جوب: و هو الترس.
[٢] -اللمم: الجنون و مس الجن.
[٣] -المعزّم: الراقي.