رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٨ - فصل في بيان حسن طاعة الجن لرؤسائها و ملوكها
برئيس قبيلة، أو ملك أو جنوده، فإنهم يعزمون عليها[١]، و يحشرون إليها، و يمتثلون ما يأمرهم و ينهاهم في صاحبهم.
و من الدليل أيضا على حسن طاعة الجن و سهولة الانقياد، و سرعة إجابتها للداعي لها؛ إجابة نفر من الجن لمحمد، ٧، في ساعة اجتازوا به و وجدوه يقرأ القرآن، و وقفوا عليه فاستمعوه و استجابوه، و ولّوا إلى قومهم منذرين كما هو مذكور في القرآن من نعتهم في نحو عشرين آية. فهذه الآيات و الدّلالات و العلامات دالّات على حسن الطاعة للجن، و سهولتها، و سرعة انقيادها، و إجابتها لمن يدعوها أو يستعين بها خيرا كان أو شرّا.
فأما طباع الإنس و جبلتهم فبالضد مما ذكرت. و ذلك أن طاعتهم لرؤسائهم و ملوكهم أكثرها خداع و مكر و نفاق و غرور و طلب للعوض و الأرزاق و المكافاة، و الخلع و المآرب و الكرامات. فإن لم يروا ما يطلبون، أظهروا المعصية و الخلاف، و خلعوا الطاعة، و الخروج من الجماعة، و العداوة و الحرب و القتال و الفساد في الأرض.
فهكذا حكمهم مع أنبيائهم و رسل ربهم، تارة ينكرون دعوتهم بالجحود و دفع العيان و حجة الضرورات، و يطلبون منهم المعجزات بالعناد. و تارة الإجابة بالنّفاق و الشّك و الارتياب و المكر و الدّغل و الغشّ و الخيانة في السر و الجهر. كل ذلك لغلظ طباعهم و رداءة جبلتهم و سوء عاداتهم و سيئات أعمالهم، و تراكم جهالاتهم و عمى قلوبهم. ثم لا يرضون حتى يزعمون أنهم أرباب، و غيرهم عبيد لهم، بلا حجة و لا برهان.
فلما رأت جماعة الإنس طول مخاطبة ملك الجن لليعسوب زعيم الحشرات، تعجبت و أنكرت و قالت: لقد خص الملك زعيم الحشرات اليعسوب بكرامة و منزلة لم يخصّ بها أحد من زعماء الطوائف الحضور في هذا المجلس.
[١] -يعزمون عليها: يقسمون عليها، اي يقسمون عليها أن لا تمسه بلمم.