رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٢٣ - فصل
المعدنية البازهر و هو جوهر ليّن أملس، مختلف الألوان، و أصله كان رطوبة هوائية دهنية جمدت في معدنه بطول الزمان، و هو حجر شريف تظهر منه أفعال كريمة، و ذلك أنه ينفع من السموم القاتلة حارّة كانت أو باردة، حيوانيّة كانت أو نباتية أو معدنيّة تلك السموم، و نحتاج أن نزيد في شرح هذا الباب إذ كانت عقول الناس قد تحيّرت في كيفيّة أفعال السّمومات و التّرياقات و البازهرات في الأجسام الطبيعية، لأنها أجسام جامدات، و قد قام البرهان على أن الجسم لا فعل له من حيث هو جسم، و لا العرض له فعل أيضا لأنه أعجز من الجسم بكثير، فيجب أن نذكر أولا كيفيّة الأفعال التي تظهر من هذه الأجسام بعضها من بعض، ثم نبيّن من الفاعل بالحقيقة لها و فيها و منها و بها. أما السموم فنوعان حارّة و باردة، فالباردة منها تجمّد الدم و الرطوبات الروحانية اللطيفة التي في أعضاء الحيوان، التي بها صحّة المزاج و قوام الحياة. و الحارة منها تذوّب الدّم و تلك الرطوبات و تطيّرها، فتفنى و يذوب بدن الحيوان مع ذوبانها فيهلك. فأما دبيب السموم الحارّة في أبدان الحيوانات فمثل دبيب لون الزّعفران إذا وقع في الماء صبغه في لحظة؛ و أما الباردة منها فهي مثل فعل الإنفحة[١] إذا وقعت في اللبن الحليب جمّدته في أقرب مدة. و أما دبيب البازهرات و التّرياقات المضادّة أفعالها لأفعال تلك السموم فهو مثل فعل الحموضات إذا وقعت على صبغ الزّعفران غسلته من ساعتها، و منعته أن يذوب إذا بودر بها. و أما ما الفاعل المحرّك لهذه الأجسام، فهو قوة روحانية من قوى النفس الكليّة الفلكيّة السارية في جميع الأجسام من لدن فلك القمر إلى منتهى مركز الأرض، و هي المسمّاة الطبيعة. فهذه الأجسام الجزئيّات من الحيوان و النبات و المعادن هي
[١] -الانفحة و قد تشدد الحاء، و قد تكسر الفاء: شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع قبل أن يطعم غير اللبن، فيعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن، فاذا أطعم الجدي غير اللبن سمي هذا الشيء كرشا.