رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٢ - فصل في بيان خطبة الصرصر و حكمته
علاج و لا عناء من الآفات التي تعرض للحيوانات الكبيرة الجثة، العظيمة البنية، الشديدة القوّة، فسبحان اللّه الخالق الحكيم الذي كفاها هذه المطالب و هذه المئونة. و أراحها من التعب و النصب، فله الحمد و المنّة و الشكر و الثناء على جزيل مواهبه و عظيم نعمائه و حسن آلائه! فلما فرغ الصّرصر من هذه الخطبة، قال له الثعبان ملك الهوام: بارك اللّه فيك من خطيب ما أفصحك، و من مذكّر ما أعلمك، و من واعظ ما أبلغك! و الحمد للّه الذي جعل في أجناس هذه الطائفة مثل هذا الحكيم الفاضل، المتكلم الفصيح. ثم قال له الثعبان: امض إلى هناك، فتنوب عن الجماعة في المناظرة مع الإنس.
قال: نعم، سمعا و طاعة للملك، و نصيحة للإخوان.
قالت الحية عند ذلك: لا تذكر عندهم أنك رسول الثعبان و الحيات.
قال الصرصر: و لم ذلك؟
قالت: لأن بين بني آدم و بين الحيات عداوة قديمة و حقدا كامنا، لا يقدر قدره، حتى إن كثيرا من الإنس يعترضون على ربهم، فيقولون: لم خلقها، فإنه ليس في خلقها منفعة و لا فائدة، و لا حكمة، بل ضرر كلّه.
قال الصرصر: و لم يقولون ذلك؟
قالت: من أجل السّمّ الذي بين فكّيها، فإنه ليس فيه منفعة إلا هلاك الحيوانات و موتها. كل ذلك جهل منهم بمعرفة حقائق الأشياء و منافعها و مضارّها.
ثم قالت: لا جرم، فإن اللّه، جلّ ثناؤه، أبلاهم بها، و عاقبهم على ذلك، حتى أحوج ملوكهم إلى اقتناء سمومها تحت فصوص الخواتم لوقت الحاجة إليها.
فلو أنهم فكروا و اعتبروا أحوال الحيوانات، و تصاريف أمورها، لتبين لهم ذلك و عرفوا عظيم منفعة السموم في فكوك الأفاعي، لم خلقها الباري تعالى، و ما الفائدة فيها، و لو عرفوها، لما قالوا ذلك، و لا اعترضوا على ربهم في أحكام مصنوعاته، لأن الباري تعالى لو خلق سبب هلاك الحيوانات في بصاقنا،