رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٤ - فصل
قال الملك: ما وجه الحكمة في ذلك؟
قال: لأن الخالق تعالى علم بأن البنية القوية و الجثة العظيمة لا تصلح إلّا للكد و العمل الشاق و حمل الأثقال و لو قرن بها أنفسا كبارا لما انقادت للكد و العمل الشاق و لأبت و أنفت و لجت و شمست و امتنعت، فسبحان الخالق العالم بمصالح خلقه! و أما الجثث الصغار و الأنفس الكبار العلامة فإنها لا تصلح إلّا للحذق في الصنائع مثل أنفس النحل و دودة القز و دودة الدرّة و أمثالها.
قال الملك: زدني في البيان.
قال: نعم، إن الحذق في الصناعة هو أن لا يدرى كيف عملها الصانع، و من أي شيء عملها، و بأي شيء يعمل، مثل صناعة النحل، لأنه لا يدرى كيف تبني منازلها و بيوتها مسدّسات من غير بركار و لا مسطرة و لا أدوات أخر، و لا يدرى من أين تجمع العسل و الشمع، و كيف تعمله، و كيف تميزه. فلو كانت لها جثة كبيرة، لبان ذلك و شوهد و رؤي و أدرك، و هكذا حكم دودة القز، لو كانت لها جثة عظيمة لرئي كيف تمدّ ذلك الخيط الدقيق و تغزله و تفتله. و هكذا بناء الأرضة، لو كانت لها جثة عظيمة لرئي كيف تبلّ ذلك الطين و كيف تبني. و أخبرك أيها الملك أن الخالق تعالى قد أرى الدلالة على قدرته للحكماء من بني آدم المنكرة إيجاد العالم، لا من هيولى موجودة، من صناعة النحل باتخاذها البيوت من الشمع، و جمعها العسل من غير هيولى موجودة.
قال الملك: زعمت الإنس بأنها تجمع من زهر النبات و ورق الشجر.
قال: فلم لا يجمعون هم منها شيئا مع زعمهم بأن لهم العلم و القدرة و الحكمة و الفلسفة، و إن كانت تجمع ذلك من وجه الأرض أو من الماء أو من وجه الهواء، فلم لا يرون منها شيئا، و لا يدرون كيف تجمع ذلك و تحمله و تميّزه و تبني و تخزن؟ و هكذا أرى الخالق قدرته لجبابرتهم الذين طغوا و بغوا، لما كثرت نعم اللّه تعالى لديهم مثل نمرود الجبار قتله أصغر جثة من