رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥ - فصل في أقاويل الحكماء في ماهية الحركة
حركات كثيرة، لأنه يمرّ في حركته بمحاذيات كثيرة في حال حركته، و لا ينبغي أن تعتبر كثرة الحركات لكثرة المحاذيات، فإن السهم في مروره إلى أن يقع حركة واحدة يمرّ بمحاذيات كثيرة، و كذلك المتحرّك على الاستدارة بحركته واحدة إلى أن يقف و إن كان يدور أدوارا كثيرة.
ثم اعلم أنه لا تنفصل حركة عن حركة إلّا بسكون بينهما، و هذا يعرفه و لا يشكّ فيه أهل صناعة الموسيقى، و ذلك أن صناعتهم معرفة تأليف النّغم، و النّغم لا يكون إلّا بالأصوات، و الأصوات لا تحدث إلا من تصادم الأجسام؛ و تصادم الأجسام لا يكون إلا بالحركات، و الحركات لا تنفصل بعضها عن بعض إلا بسكونات تكون بينها، فمن أجل هذا قال الذين نظروا في تأليف النّغم إن بين زمان كلّ نقرتين زمان سكون، و قد بيّنا طرفا من هذا العلم في رسالتنا في تأليف اللّحون: ما هي، و كم هي، و كيف هي، فاعرفها من هناك.
و اعلم أنه ينبغي لمن ينظر في حقائق الأشياء، و يبحث عن ماهيّاتها، أن يبتدئ أولا و ينظر و يبحث هل الشيء جوهر، أو عرض، أو هيولى، أو صورة جسمانية، أو روحانية، فإن كان جوهرا فأيّ جوهر هو؟ و إن كان عرضا، فأيّ عرض هو؟ و إن كان هيولى، فأي هيولى هو؟ و إن كان صورة، فأيّ صورة هي و كيف هي؟
و اعلم أن الحركة في بعض الأجسام جوهرية كحركة النار، فإنها متى سكنت حركتها طفئت و بطلت و بطل وجودها؛ و في بعض الأجسام عرضية لها حركة كحركة الماء و الهواء و الأرض، لأنها ان سكنت حركتها لا يبطل وجدانها.
و اعلم أن الحركة هي صورة جعلتها النفس في الجسم بعد الشكل، و أن السكون هو عدم تلك الصورة؛ و السكون بالجسم أولى من الحركة، لأن الجسم ذو جهات لا يمكنه أن يتحرك إلى جميع جهاته دفعة واحدة،