رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٣ - فصل
مشفران حادّان شبه المشراطين تقرض بهما الحبّ و الخشب و الثمر و النبات، و تنقب الآجرّ و الحجارة.
فقال الملك للصرصر: هذه الدابّة من الهوامّ و أنت زعيمها، فما ذا ترى فيما قال اليوناني؟
فقال الصرصر: صدق فيما قال، و لكن لم يتمّم و لم يفرغ من الوصف.
فقال الملك: تممه أنت.
فقال: نعم، إن الخالق تعالى لما قدّر أجناس الخلائق، و قسم بينها المواهب و العطايا، عدل في ذلك بينها بحكمته ليتكافؤوا و يتساووا عدلا منه و إلهاما و إنصافا بها، سبحانه و بحمده. فمن الخلق ما قد وهب له جثّة عظيمة و بنية قوية، و نفسا ذليلة مهينة مثل الجمل و الفيل. و منها ما قد وهب له نفسا قوية عزيزة، عليمة حكيمة، و بنية صغيرة، ليتكافأ في المواهب و العطايا عدلا من الخالق الوهاب و حكمة.
فقال الملك للصرصر: زدني في البيان.
قال: نعم، أ لا ترى أيها الملك إلى الفيل، مع كبر جثته، و عظيم خلقته، كيف هو ذليل النفس، منقاد للصبي الراكب على كتفه، يصرّفه كيف شاء؟ أ لم تر إلى الجمل مع عظم جثته، و طول رقبته، كيف ينقاد لمن جذب خطامه، و لو كانت فأرة أو خنفساء؟ أ لم تر إلى الجرادة في الحشرات الصغار التي هي أصغر منها، إذا ضربت الفيل بحمتها، كيف تقتله و تهلكه؟ و كذلك الأرضة، و إن كانت لها جثة صغيرة، و بنية ضعيفة، فإن لها نفسا قوية. و هكذا حكم سائر الحيوانات الصغار الجثة مثل دودة القز، و دودة الدرّة[١]، و زنابير النحل فإن لها أنفسا علامة حكيمة و إن كانت أجسادها صغارا و بنيتها ضعيفة.
[١] -دودة الدرّة: اي درة البحر، و هو أبو مصقار من السمك.