رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٣ - فصل
منتهى مركز الأرض، بعضها منتصب نحو المركز، و بعضها منصرف إلى المركز المحيط، و بعضها منبثّ متوجّه نحو الآفاق على المركز، في كلّ فجّ منها جنود اللّه منصرفين لحفظ العالم و تدبير الخلائق و السياسة الكليّة و مآرب أخرى لا يعرف كنه معرفتها أحد إلّا اللّه، عزّ وجل.
و قد بيّنّا في رسالة لنا أن قوى النفس الكلية أول ما تبتدئ تسري في قعر الأجسام من أعلى سطح فلك المحيط إلى نحو مركز الأرض، فإذا سرت في الأفلاك و الكواكب و الأركان و الموّلدات و بلغت إلى مركز الأرض من أقصى مدى غاياتها و منتهى نهاياتها، عطفت عند ذلك راجعة نحو المحيط، و هو المعراج و البعث و القيامة الكبرى.
فانظر الآن يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، كيف يكون انصراف نفسك من هذا العالم إلى هناك، فإنها هي إحدى تلك القوّة المنبثّة من النفس الكليّة السارية في العالم، و قد بلغت إلى المركز، و انصرفت و نجت من الكون في المعادن، أو في النبات، أو في الحيوان، و قد جاوزت الصّراط المنكوس[١] و الصّراط المقدّس، و هي الآن على صراط مستقيم آخر درجات جهنم، و هي الصورة الإنسانية. فإن جاوزت و سلمت من هذه دخلت الجنّة من أحد أبوابها، و هي الصورة الملكيّة التي تكسبها بأعمالك الصالحة، و أخلاقك الجميلة، و آرائك الصحيحة، و معارفك الحقيقية، و بحسن اختيارك. فاجتهد يا أخي قبل الفوت و فناء العمر و تقارب الأجل، و اركب مع إخوانك في سفينة النجاة يرحمك اللّه برحمته، و لا تكن مع المغرقين و إخوان الشياطين.
[١] -الصراط المنكوس: الصورة النباتية. الصراط المقوس: الصورة الحيوانية.