رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١٣ - فصل في بيان جودة الحواس في الحيوانات
فصل في بيان جودة الحواس في الحيوانات
و أما الذي ذكرته من جودة حواسّكم و دقّة تمييزكم، و افتخرتم به علينا، فليس ذلك لكم خاصّة دون غيركم من الحيوانات، لأن فيها ما هو أجود حاسّة منكم و أدق تمييزا؛ فمن ذلك الجمل، فإنه، مع طول قوائمه و رقبته و ارتفاع رأسه من الأرض في الهواء، يبصر و يرى موضع قدميه، في الطرقات الوعرة و المسالك الصّعبة في ظلم الليل، ما لا يرى و لا يبصر أحدكم إلّا بسراج أو مشعل أو شموع. و ترى الفرس الجواد يسمع وطء الماشي من البعد في ظلمة الليل، حتى إنه ربما نبّه صاحبه من نومه بركضة[١] رجليه حذرا عليه من عدوّ أو سبع، و هكذا نجد كثيرا من الحمير و البقر إذا سلك بها صاحبها طريقا لم يسلكها قبل، خلّاها، ثم رجعت إلى مكانها و معقلها و موضعها المألوف فلا تتيه. و قد يوجد من الإنس من قد يسلك طريقا دفعات، ثم إنه يضلّ فيه و يتيه، و نجد من الغنم و الشاء ما يلد منها في ليلة واحدة عددا كثيرا، و تسرح من الغد إلى الرّعي و تروح بالعشي، و تخلّى من الوثاق مائة من البهائم و أكثر، فيذهب كلّ واحد إلى أمه لا يشكل عليها أمهاتها و لا تشتبه، و كذلك أولادها على أمّهاتها. و الإنسيّ ربما يمرّ به الشهر و الشهران أو أكثر و هو لا يعرف والدته من أخته، و لا والده من أخيه، فأين وجود الحاسّة و دقّة التمييز الذي ذكرته و افتخرت به علينا أيها الإنسي؟
و أما الذي ذكرته من رجحان العقول فلسنا نرى له أثرا أو علامة، لأنه لو كان لكم عقول راجحة لما افتخرتم علينا بشيء ليس هو من أفعالكم، و لا اكتساب منكم، بل هي مواهب من اللّه، جلّ ذكره، لتعرفوا مواقع النّعم
[١] -ركضة الرجلين: تحريكهما.