رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١٥ - فصل في بيان شكاية الحيوان من جور الانس
ذكر بأنّا نطعمها و نسقيها و نكسوها، و ما ذكره من سائر ما يفعلون بنا، فليس ذلك لشفقة علينا منهم، و لا رحمة لنا و لا تحنّنا علينا و لا رأفة بنا، بل مخافة أن نهلك فيخسروا أثماننا و تفوتهم المنافع منا من شرب ألباننا، و دثارهم من أصوافنا و أوبارنا و أشعارنا، و ركوبهم ظهورنا و حملهم أثقالهم علينا، لا شفقة و لا رحمة كما ذكر.
ثم تكلم الحمار فقال الحمار: أيها الملك لو رأيتنا و نحن أسارى في أيدي بني آدم، موقرة ظهورنا بأثقالهم من الحجارة و الآجرّ و التراب و الخشب و الحديد و غيرها، و نحن نمشي تحتها و نجهد بكدّ و عناء شديد، و بأيديهم العصا و المقارع يضربون وجوهنا و أدبارنا بحنق و عنف و ضجر و صخب لرحمتنا و رثيت لنا و بكيت علينا أيها الملك؛ فأين الرحمة و أين الشفقة و الرأفة منهم علينا كما زعم هذا الإنسي؟
ثم تكلم الثور فقال: لو رأيتنا، أيها الملك، و نحن أسارى في أيدي بني آدم، مقرّنين في فدّانهم، مشدودين في دواليبهم و أرحيتهم، مغطّاة وجوهنا، مشدودة أعيننا، و هم يضربوننا مع ذلك، لرحمتنا و رثيت لنا و بكيت علينا؛ فأين الرحمة و الشفقة و الرأفة منهم علينا كما زعم هذا الإنسي؟
ثم تكلم الكبش فقال: أيها الملك، لو رأيتنا، و نحن أسارى في أيدي بني آدم، يأخذون صغار أولادنا من الجدي و الحملان، فيفرّقون بينها و بين أمّهاتها، ليستأثروا بألباننا لأولادهم، و يجعلوا أولادنا مشدودة أرجلها و أيديها، محمولة إلى المذابح و المسالخ، جائعة عطشانة، تصيح فلا ترحم، و تصرخ و تستغيث فلا تغاث، ثم نراها مذبوحة مسلوخة مشقوقة أجوافها، مفرّقة أعضاؤها و رءوسها و كروشها و مصارينها و أكبادها في دكاكين القصّابين، مقطّعة بالسواطير، مطبوخة في القدور، مشويّة في التّنور، و نحن سكوت لا نبكي و لا نشكو، و إن شكونا أو بكينا لم نرحم؛ فأيّة رحمة و أيّة رأفة لهم علينا كما زعم هذا الإنسي؟