رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٧١ - فصل
فسبحان الخالق الباري القادر القاهر الحكيم العالم الذي خلق الخلائق بقدرته، و فضّل البعض على بعض برحمته، و خلق النبات، مع اختلاف ألوانها و أشكالها و طعومها و منافعها، مصلحة و منفعة لخلقه، و خلق الحيوانات الخسيسة و الشريفة لنظام العالم و معايش الخلائق بوجدانهم، تعالى اللّه علوّا كبيرا.
و إذ قد فرغنا من ذكر مراتب الحيوانية مما يلي مراتب الإنسانية، فينبغي أن نذكر أولا المرتبة الإنسانية مما يلي الحيوانية.
فصل
اعلم يا أخي بأن أوّل مرتبة الإنسانية التي تلي مرتبة الحيوانية هي مرتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلّا المحسوسات، و لا يعرفون من العلوم إلّا الجسمانيّات، و لا يطلبون إلّا إصلاح الأجساد، و لا يرغبون إلّا في رتب الدّنيا، و لا يتمنّون إلّا الخلود فيها، مع علمهم بأنه لا سبيل لهم إلى ذلك، و لا يشتهون من اللذات إلّا الأكل و الشرب مثل البهائم، و لا يتنافسون إلّا في الجماع و النّكاح كالخنازير و الحمير، و لا يحرصون إلّا على جمع الذخائر من متاع الحياة الدّنيا، و يجمعون ما لا يحتاجون إليه كالنمل، و يحبّون ما لا ينتفعون به كالعقعق[١]، و لا يعرفون من الزينة إلّا أصباغ اللباس كالطواويس، و يتهارشون على حطام الدّنيا كالكلاب على الجيف. فهؤلاء، و إن كانت صورهم الجسدانية صورة الإنسان، فإن أفعال نفوسهم أفعال النفوس الحيوانية و النباتية، فأعيذك أيها الأخ البار الرحيم أن تكون منهم أو مثلهم، و إيانا و جميع إخواننا حيث كانوا في البلاد.
و أمّا رتبة الإنسانية التي تلي رتبة الملائكة فهو أن يجتهد الإنسان و يترك
[١] -العقعق: طائر على قدر الحمامة، ذو لونين أبيض و أسود، طويل الذنب، و هو نوع من الغربان، و العامة تسمية القعق.