رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٧٠ - فصل في اختلاف النبات من جهة الأزمان
إن رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية ليست من وجه واحد و لكن من عدّة وجوه. و ذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدنا للفضل و ينبوعا للمناقب لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان و لكن عدّة أنواع، فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد، و منها ما قاربها بالأخلاق النفسانية كالفرس في كثير من أخلاقه، و منها كالطائر الإنسانيّ أيضا، و مثل الفيل في ذكائه و كالببّغاء و الهزار و نحوهما من الأطيار الكثيرة الأصوات و الألحان و النغمات، و منها النحل اللطيف الصنائع إلى ما شاكل هذه الأجناس، و ذلك أنه ما من حيوان يستعمله الناس و يأنس بهم إلّا و لنفسه قرب من نفس الإنسانية.
أما القرد فلقرب شكل جسمه من شكل جسد الإنسان صارت نفسه تحاكي أفعال النفس الإنسانية، و ذلك مشاهد منه متعارف بين الناس.
و أمّا الفرس الكريم فإنه قد بلغ من كرم أخلاقه أنه صار مركبا للملوك، و ذلك أنه ربما بلغ من أدبه أنه لا يبول و لا يروث ما دام بحضرة الملك أو حاملا له. و له أيضا مع ذلك ذكاء و إقدام في الهيجاء و صبر على الطعن و الجراح، كما يكون الرجال الشجعان كما وصف الشاعر فقال:
|
و إذا شكا مهري إليّ جراحه |
عند اختلاف الطعن، قلت له: اقدما[١] |
|
|
لما رآني لست أقبل عذره، |
عضّ الشّكيم على اللجام و حمحما[٢] |
|
و أما الفيل فإنه يفهم الخطاب بذكائه، و يمتثل الأمر و النّهي كما يمتثل الرجل العاقل المأمور المنهيّ.
فهذه الحيوانات في آخر مرتبة الحيوان مما يلي رتبة الإنسان لما يظهر فيها من الفضائل الإنسانية. و أما باقي أنواع الحيوانات فهي فيما بين هاتين المرتبتين،
[١] -اقدم: اسبق، او اجترىء على القرن، و اشجع. و قوله: اقدما، أي اقدمن، فقلب نون التوكيد ألفا في حال الوقف.
[٢] -الشكيم: جمع شكيمة، و هي الحديدة المعترضة في فم الفرس.