رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٧٩ - الرسالة التاسعة من الجسمانيات الطبيعيات في تركيب الجسد(و هي الرسالة الثالثة و العشرون من رسائل إخوان الصفاء)
و هو مريض سقيم عليل، أو كمن يكسو الناس و هو عريان و عورته للناس بادية ما ان يواريها، أو كمثل من يهدي الناس إلى الطريق و هو ضال لا يعرف طريق بيته. و قد علمتم أن في هذه الأشياء ينبغي للإنسان أن يبتدئ أولا بنفسه ثم بغيره.
و اعلموا أن اسم الإنسان إنما هو واقع على هذا الجسد الذي هو كالبيت المبنيّ، و على هذه النفس التي تسكن هذا الجسد، و هما جميعا جزءان له و هو جملتهما و المجموع منهما، و لكن أحد الجزءين الذي هو النفس أشرف و هو كاللبّ، أو الجزء الآخر الذي هو الجسد كالقشر، و الإنسان هو الذي جملتهما و المجموع منهما، و لكن أحد الجزءين الذي هو النفس كالشجرة و الآخر كالثمر، و من وجه آخر أحدهما كالرّكب و هي النفس، و الآخر كالمركوب و هو الجسد، و الإنسان هو جملتهما كالفارس. فمن أجل هذا يحتاج كل إنسان أن يعرف نفسه بالحقيقة، و يحتاج في معرفة ذلك إلى أن ينظر فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها النظر في حالات الجسد ما هو، و كيف هو من تركيب أجزائه، و تأليف أعضائه، و ما الصفات المخصوصة به خلوا من النفس.
و الجهة الثانية النظر في أمر النفس مجرّدة من الجسد، و قواها و ما هي، و كيف هي، و ما الصفات المخصوصة بها.
و الجهة الثالثة النظر في مجموعهما و ما يظهر من جملتهما، من الأخلاق و الأفعال و الحركات و الصنائع و الأعمال و الأصوات و ما شاكل ذلك.
و نبتدئ أولا بذكر حالات الجسد و صفاته بكلام مختصر كيما يكون دليلا على أمر النفس و حالاتها، لأن حالات الجسد ظاهرة مكشوفة متخيّلة مدركة بالحواس، و أما أمر النفس و حالاتها فغائب عن إدراك الحواس، و باطن في عمق الجسد، مستور خفيّ، و إنما يدرك بالعقل.
فاعلموا، أيها الإخوان، أن الشاهد من حالات الجسد يدل على الغائب من