رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤١١ - فصل في بيان المحسوسات بعضها بالذات و بعضها بالعرض
فصل في كيفية وصول آثار المحسوسات إلى القوة المتخيلة التي مجراها مقدم الدماغ حسب ما تبين هاهنا
فنقول إنه ينتشر من مقدّم الدماغ عصبات لطيفة ليّنة تتصل بأصول الحواسّ، و تتفرق هناك و تنسج في أجزاء جرم الدماغ كنسج العنكبوت.
فإذا باشرت كيفية المحسوسات من أجزاء الحواسّ، و تغير مزاج الحواس عندها، و غيّرتها عن كيفياتها، وصل ذلك التغيير في تلك الأعصاب التي في مقدّم الدماغ، و التي منشؤها من هناك كلها، فتجتمع آثار المحسوسات كلها عند القوّة المتخيلة، كما تجمع رسائل أصحاب الأخبار عند صاحب الخريطة، فيوصل تلك الرسائل كلها إلى حضرة الملك. ثم إن الملك يقرؤها و يفهم معانيها، ثم يسلمها إلى خازنه ليحفظها، فيحفظها إلى وقت الحاجة إليها.
فهكذا حكم القوّة المتخيّلة اذا اجتمعت عندها آثار هذه المحسوسات التي أدّت إليها القوّة الحسّاسة، دفعتها إلى القوّة المفكّرة التي مسكنها وسط الدماغ، لتنظر فيها و ترى في معانيها، و تعرف حقائقها و مضارها و منافعها؛ ثم تؤديها إلى القوة الحافظة لتحفظها إلى وقت التذكار.
فصل في بيان المحسوسات بعضها بالذات و بعضها بالعرض
فنقول: اعلم أن الإنسان إذا رأى ثمرة من بعيد، يعلم من وقته أنها حلوة أو مرة أو طيبة الرائحة أو منتنة أو أنها خشنة أو ليّنة أو صلبة أو رخوة أو حارّة أو باردة أو رطبة أو يابسة. و ليس علمه بهذه الصفات كلها بطريق البصر، و لكن بالقوة المفكّرة، و برؤيتها و تجاربها و ما جرت لها به العادة.
و كذلك إذا أخطأ في حكم شيء من هذه فليس الخطأ من قبل الباصرة، و لكن من قبل المفكّرة إذا حكمت من غير روية و لا اعتبار.