رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠٧ - فصل في بيان بدء الخلق
و من أجلنا، و هي عبيد لنا و نحن أربابها، و أستغفر اللّه لي و لكم.
فقال الملك: قد سمعتم يا معشر البهائم و الأنعام ما قال الإنسيّ من آيات القرآن، فاستدلّ بها على دعواه، فأيّ شيء لكم و عندكم فيما قال؟
فقام عند ذلك زعيمها و هو البغل فقال:
الحمد للّه الواحد الأحد الفرد الصّمد القديم السّرمد الذي كان قبل الأكوان بلا زمان و لا مكان. ثم قال: كن فكان نورا ساطعا أظهره من مكنون غيبه. ثم خلق من النور بحرا من النار أجاجا[١]، و بحرا من الماء رجراجا، ذا أمواج. ثم خلق من الماء و النار أفلاكا ذوات أبراج، و شهابا وهّاجا، و السماء بناها، و الأرض دحاها، و الجبال أرساها، و جعل أطباق السماوات مسكن العلّيّين، و فسحة الأفلاك مسكن الملائكة المقرّبين، و الأرض وضعها للأنام، و هو النبات و الحيوان، ثم خلق الجانّ من نار السّموم، و خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين في قرار مكين، و جعل ذريّته في الأرض يخلفون ليعمروها و لا يخرّبوها. و يحفظون الحيوانات و ينتفعون بها، و لا يظلمونها و لا يجورون عليها، أستغفر اللّه لي و لكم.
ثم قال: ليس في شيء مما قرأ هذا الإنسيّ من آيات القرآن، أيها الملك، دلالة على ما زعم أنهم أرباب و نحن عبيد لهم، إنما هي آيات تذكار بإنعام اللّه عليهم و إحسانه، فقال لهم: سخّرها لكم، كما قال: سخّر الشمس و القمر و السّحاب و الرياح، أ فترى أيها الملك بأنها عبيد لهم و مماليك، و أنهم أربابها؟
و اعلم أيها الملك بأنّ اللّه خلق كل ما في السماوات و الأرض، و جعلها مسخّرة بعضها لبعض، إما لجرّ منفعتها إليها، أو دفع مضرّتها، فسخّر
[١] -الأجاج: الملتهب، ذكره الأساس.