رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٣٦ - فصل
مسيره، مذموما في أحواله، فإن المولود يكون بطيء الذهن، قليل الفهم، بليدا لا يفكّر في شيء من الأمور إلّا ما يرى و يسمع، أو يباشره بحواسه، مثل البهيمة لا تعرف إلّا الأكل و الشرب و النكاح، أو يتعلق بأمر المعاش في الحياة الدنيا، و يكون عن أمر الآخرة من الغافلين، إلا ما يعلّم و يلقّن تقليدا و إيمانا و تسليما.
ثم يدخل الشهر الثالث و يصير التدبير للمرّيخ، و هو ينبوع الحرارة و الإسخان و النضج في الكائنات، و هو دليل الشجاعة و الجسارة و الصلابة و البسالة و التشمير و الأنفة و الحميّة، و ما شاكلها من الخصال و الأخلاق و الطباع مما يحتاج إليه قادة الجيوش، و أصحاب الحروب و من يتبعهم و يخدمهم و يعاشرهم.
فإن كان المريخ صاعدا في فلكه، مستقيما في سيره، محمودا في أحواله، انعجن في تلك المادة، و انطبع في ذلك المزاج، و انغرس في تلك الجملة التهيؤ و القبول لهذه الخصال إن قدّر اللّه لها التمام و الكمال. فإن كان المريخ في حدّ نفسه من البرج و الدرجة، تكون تلك الخصال و الأخلاق مصروفة، أو أكثرها بهمة نفسه، إلى القتال و الحروب و المبارزة و مباشرة الأقران و طلب الغلبة بالقهر و الأنفة من الانقياد للغير و الإذعان له. و إن كان المريخ في حد زحل، اختلط مزاجهما، و اتحدت قوتاهما، و ظهرت تلك الخصال المرّيخيّة من صاحبها بالتثبت و الأناة و الصبر و التوقف و قلة العجلة مع الحقد و الغضب و المكر و الحيلة و الأنفة من العار و الفرار. و إن كان المرّيخ في حد المشتري، اختلط مزاجهما، و اتحدت قوتاهما، و ظهرت أفعال تلك القوى و الأخلاق و الخصال بعقل و روية و معرفة بمواقع الأقدام، و طلب العدل و الانصاف و الكف عن الغدر و الظلم. و إن كان المريخ في حد الزّهرة، اختلط مراجهما، و اتحدت قوتاهما، و يكون ذلك الأمر سبب الشهوات و عشرة النساء و الحرم و الحميّة و الافتخار و الخيلاء و المباهاة و التعرض للتلف. و إن كان المرّيخ في حدّ عطارد، اختلط مزاجهما، و اتحدت قوتاهما، و ظهرت