رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٣٤ - فصل
و الوقوف، خلقه اللّه، جلّ ثناؤه، لتنبثّ من جرمه القوى الروحانية، فتسري في الموجودات لإمساك الصور في الهيولى و ثباتها و بقائها و دوامها.
و لو لا وجود زحل و كونه في الفلك، لما تماسكت صورة في الهيولى و ثبتت خلقة في مادة طرفة عين إلا سالت و ذابت و اضمحلّت، يعرف صحة ما قلنا و حقيقة ما وصفنا العلماء الراسخون في علم الهيئات[١]، العارفون بحقائق الموجودات و كيفية نظام العالم و ماهيّة أسرار الخلقة.
و اعلم يا أخي بأن زحل دليل الشهر الأول من مسقط النطفة، كما وصفنا قبل. فإذا كان سليم المناحس و الأحوال المذمومة، سلمت تلك النّطفة من الآفات العارضة بإذن اللّه تعالى. و هكذا حكم الحامل لتلك النّطفة، فإذا كان بخلاف ذلك كان بالعكس. مثال ذلك أنه متى كان زحل صاعدا في فلكه، مستقيما في سيره في حد نفسه من البرج و الدرجة، فإن تلك النطفة تكون مرتفعة إلى أعلى بطنها، خفيف عليها حملها، سليمة من الأوجاع و الأعلال. و إن كان في حد المشتري كانت فرحانة بحملها، حسنة الظن بربها، مستقيمة السلامة و التمام. و إن كان في حد المرّيخ تكون نشيطة في أعمالها، مستعجلة في أمورها. و إن كان في حد الزّهرة تكون المرأة مسرورة بحملها، مستبشرة بولادتها. و إن كان في حد عطارد فإنها تكون عارفة بوقت حملها، حاسبة لأيام شهورها. و إن كان زحل هابطا في فلكه، راجعا في مسيره، مذموما في أحواله، كان الأمر بخلاف ما وصفنا.
ثم يدخل الشهر الثاني، فيصير التدبير للمشتري بإذن اللّه عز و جل، و هو كوكب الاعتدال، و علّة صحة المزاج في الكائنات، و سبب النظام و الترتيب في الموجودات، و هو دليل العقل في الإنسان و الفهم و التمييز و العلم
[١] -علم الهيئة: هو علم من العلوم الرياضية يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية و السفلية من حيث الكمية و الكيفية و الوضع و الحركة اللازمة لها و ما يلزم منها.