رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٦ - فصل في بيان حسن طاعة الجن لرؤسائها و ملوكها
فصل في بيان حسن طاعة الجن لرؤسائها و ملوكها
ثم قال اليعسوب لملك الجن: كيف حسن طاعة الجن لرؤسائها و ملوكها؟
قال: أحسن طاعة و أطوع انقياد لأمرها و نهيها.
قال: يتفضل الملك و يذكر منها شيئا.
قال: نعم، فاعلم أن الجن أخيار و أشرار، و مسلمون و كفار، و أبرار و فجار، كما يكون في الناس من بني آدم. فأما حسن طاعة الأخيار منها لرؤسائها و ملوكها ففوق الوصف، مما لا يعرفه البشر من بني آدم، لأن طاعتها لملوكها كطاعة الكواكب في الفلك للنيّر الأعظم الذي هو الشمس.
و ذلك أن الشمس في الفلك كالملك، و سائر الكواكب لها كالجنود و الأعوان و الرعية. و نسبة المرّيخ من الشمس كنسبة صاحب الجيش من الملك، و المشتري كالقاضي، و زحل كالخازن، و عطارد كالوزير، و الزهرة كالحرم، و القمر كوليّ العهد، و سائر الكواكب كالجنود و الأعوان و الرعية. و ذلك أنها كلها مربوطة بفلك الشمس، تسير بسيرها في استقامتها و رجوعها و وقوعها و اتصالاتها و انصرافاتها. كل ذلك بحسبان لا تتجاوز رسومها، و لا تتعدى حدودها و جريان عاداتها في طلوعها و غروبها و تشريقها و تغريبها؛ و جميع أحوالها و متصرّفاتها لا يرى منها معصية و لا خلافه.
قال النحل لملك الجن: من أين للكواكب حسن هذه الطاعة و الانقياد و النظام و الترتيب لملكها؟
قال: من الملائكة الذين هم جنود رب العالمين.
قال: كيف حسن طاعة الملائكة لربّ العالمين؟
قال: كطاعة الحواس الخمس للنفس الناطقة.
قال: زدني بيانا.