رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٢٦ - فصل في بيان منفعة المشاورة لذوي الرأي
قال رئيس الحكماء من آل لقمان: هذا عندي أمر لا يتمّ، فلا تتعبوا أنفسكم، فهو بعيد المرام، لأن أكثر هذه البهائم لا تكون بالليل إلّا مقيّدة أو مغلّلة، و الأبواب عليها مغلقة، فكيف يتسنّى لها الهرب في ليلة واجدة؟
قال صاحب العزيمة: يبعث الملك تلك الليلة قبائل الجن يفتحون لها الأبواب و يحلّون عقلها و أوثاقها، و يخبلون حرّاسها إلى أن تبعد البهائم.
و اعلم أيها الملك بأن لك في هذا أجرا عظيما، و قد محضت لك النصيحة لما أدركني من الرحمة لها، و إن اللّه تعالى لما علم من الملك حسن النيّة و صحة العزيمة فإنه يعينه و يؤيّده و ينصره إذا شكر نعمته بمعاونة المظلومين و تخليص المكروبين، فإن في بعض كتب الأنبياء، :، مكتوبا: يقول اللّه عزّ و جلّ: أيها الملك إني لم أسلّطك لتجمع المال و تتمتع و تشتغل بالشهوات و اللذات، و لكن لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها و لو كانت من كافر.
فعزم الملك على ما أشار به صاحب الرأي، ثم قال لمن حوله من الحضور:
ما ذا ترون فيما قال؟ قالوا: محض النصيحة و بذل المجهود.
فصدقوا رأيه جميعا غير حكيم من آل كيوان فإنه قال: بصّرك اللّه أيها الملك خفيّات الأمور و كشف عن بصرك مشكلات الأسباب و الدهور، إن في هذه الأسباب و العمل خطبا جليلا لا تؤمن غائلة عاقبته، و لا يستدرك إصلاح ما فات منه و لا ما فرط.
فقال الملك: عرّفنا يا حكيم ما الرأي، و ما الذي يخاف و يحذر. بيّن لنا لنكون على علم و بصيرة.
قال: نعم، أ رأيت أيها الملك، إن تمّ ما أشير به عليك من وجه نجاة هذه البهائم من أبدي بني آدم و هربها من أيديهم، أ ليس بنو آدم من الغد يصبحون و قد رأوا حادثا عظيما من فرار هذه البهائم و هربها من ديارهم،