رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٨ - فصل
و مقاساة الدخان، و بناء الدّكّان، و معاكسة القصّاب، و محاسبة البقّال، و الجهد و الغناء في اكتساب الأموال و الدراهم، و تعلّم الصنائع و المكاسب المتعبة للأبدان، و الأعمال الشاقة على النفوس، و المحاسبات و التجارات، و الذّهاب و المجيء في الأسفار البعيدة في طلب الأمتعة و الحوائج، و الجمع و الادّخار، و الاحتكار و الإنفاق بالتقدير، مع مقاساة البخل و الشّحّ. فإن كان جمعها من حلال، و أنفقها في وجه اللّه، فلا بد من الحساب. و إن كان من غير حلّ، و إنفاقه في غير وجه اللّه، فالويل و الحساب و العذاب، إذ لا بد من القوت و الثياب مثل ما لا بد من الموت و الحساب.
و نحن بمعزل من هذه كلها، و ذلك أن طعامنا و غذاءنا هو مما يخرج لنا من الأرض من أمطار سمائها، من ألوان البقول الرّطبة، و الخضرة النضرة اللينة، و الحشائش، و العشب، و مثل ألوان الحبوب اللطيفة المكنونة في غلفها و سنبلها و قشرها، و من ألوان الثمار المختلفة الأشكال، و أنواع الطعوم و الروائح الزكية، و الأوراق الخضرة النضرة، و الأزهار و الرياحين في الرياض.
و تخرجها لنا الأرض حالا بعد حال، و سنة بعد سنة، بلا كد و لا تعب من أبداننا، و لا عناء من نفوسنا، و لا نصب من أرواحنا. و لا نحتاج إلى كدّ حرّاث، و لا عناء و لا سقي متعب لأرواحنا. و لا نحتاج إلى بذر و لا حصاد و لا دراس و لا طحن و لا خبز و لا طبخ و لا شواء. و هذه كلها علامات الكرام الأحرار.
و أيضا إذا أكلنا قوتنا يوما بيوم، تركنا ما يفضل عنّا بمكانه، لا نحتاج إلى حفظه، و لا نحتاج إلى خازن، و لا ناطور، و لا حارس، و لا احتكار إلى وقت اخر، بلا خوف لص و لا قاطع طريق. ننام في أماكننا، و أوطاننا و أوكارنا بلا باب و لا غلق و لا حصن، آمنين مطمئنين مودعين[١]
[١] -مودعين: مستريحين.