رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١١٤ - فصل
فصل
و اعلم يا أخي، إذا تأملت المحسوسات، و تصفّحت الموجودات، و بحثت عن الكائنات التي دون فلك القمر، وجدت أصغرها جسدا، و أضعفها خلقة أشرفها جوهرا و أجلّها قدرا و أعمّها نفعا.
و انظر إلى هذه الثلاثة التي هي الدّرّة و الديباج و العسل، و تأملها تجدها عند الناس أجلّ الأشياء قدرا، و أنعمها لبسا، و أطيبها ذوقا، أعني هذه الثلاثة، فإذا تأمّلت ما ذكر من خلقة هذا الحيوان، تبيّنت أنه أحقر حيوانات البحر و أضعفها، و كما ترى النحل أضعف الطيور بنية، و أصغرها جثّة، و هكذا دود القزّ تراه أصغر الحيوان جثّة.
فصل
و اعلم أن اللّه، جلّ ثناؤه، خلق هذه الأشياء المعدنية منافع للحيوان و خاصّة للناس، و جعلهم محتاجين إليها، متصرّفين فيها، متنعمين بها إلى حين، لكيما يتفكّر العقلاء في كونها و خلقها و صنعها، فتكون قياسا لهم، فيعلمون أن العالم أيضا محدث مصنوع كائن بعد أن لم يكن، و إن كان كبير الجثّة عظيم الخلقة، طويل العمر، كبير القباء[١]، لا يدري العلماء الحكماء على التحقيق أنه متى كان و لا متى يفسد، و يعلمون أنّ له خالقا خلقه و أوجده و صوّره، و ركّب أفلاكه و أدارها، و أجرى كواكبه و سيّرها، و مدّ شعاعها نحو المركز، و مزج الأركان، و زوّج الطبائع، و أولد منها الكائنات الفاسدات التي هي الحيوان و النبات و المعادن، و سخّرها للإنسان، و ملّكه عليها يتصرّف فيها كيف يشاء، و يحكم عليها بما يريد بالانتفاع منها أو
[١] -القباء: المقدار.