رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٠ - فصل
قال الروميّ: كثرة علومنا، و فنون معارفنا، و دقّة تمييزنا، و جودة فكرنا و رويّتنا و سياستنا و تدبيرنا، و عجيب متصرّفاتنا، و صلاح معايشنا و معاونتنا في الصنائع و التجارات و الحرف في أمور دنيانا و آخرتنا. كل ذلك دليل على ما قلنا إنّا أرباب لهم و هم عبيد لنا.
قال الملك للجماعة الحضور من الحيوانات: ما تقولون فيما ذكروا و استدلوا على ما ادعوا عليكم من الربوبيّة و التملك؟
فأطرقت الجماعة ساعة متفكرة فيما ذكر الإنسيّ من فضائل بني آدم، و ما اعطاهم اللّه من جزيل المواهب التي خصّوا بها من بين سائر الحيوان. ثم تكلم النحل و قام خطيبا مذكرا مسبحا و قال:
الحمد للّه الواحد، فاطر السماوات، و خالق المخلوقات، و مدبّر الأوقات، و منزل القطرات و البركات، و منبت العشب في الفلوات، و مخرج الزهر من النبات، و قاسم الأرزاق و الأقوات، نسبّحه في صباحنا بالغدوات، و نحمده في رواحنا بالعشيّات، بما عملنا من الصلوات و التحيّات، كما قال اللّه تعالى:
«وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ».
أمّا بعد أيها الملك العادل، يزعم هذا الإنسي بأن لهم علوما و معارف و فكرا و رويّة و تدبيرا و سياسة تدل على أنهم أرباب لنا و نحن عبيدهم. فلو أنهم فكروا في أمرنا و اعتدّوا أيضا أحوالنا، لبان لهم من أمرنا، و عرفوا من تصاريف أحوالنا و تعاوننا في إصلاح شأننا، أن لنا أيضا علما و فهما و معرفة و تمييزا و فكرا و روية و سياسة و تدبيرا أدقّ و ألطف و أحكم و أتقن مما لهم.
فمن ذلك اجتماع جماعة النحل في قراها و تمليكها عليها رئيسا واحدا، و اتخاذ ذلك الرئيس أعوانا و جنودا و رعية، و كيفيّة مراعاتها و سياساتها، و كيفية اتخاذها المنازل و البيوت المسدّسات، المتجاورات، المكتفات[١] من غير بر كار
[١] -المكتفات: المقطعات قطعا صغارا.