رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٧٣ - فصل
إلى المواد الكثيرة، لكبر جثّتها و عظم جرمها و طول لإقامتها و كثرة عدد سعفاتها و أوراقها، لكيما تستعمل في جرم أصولها طولا و عرضا و عمقا؛ و بعضها في جرم سعفها مثل ذلك، و بعضها في جرم أوراقها مثل ذلك، و بعضها في ليفها، و بعضها في جرم أكمام طلعها[١]، و بعضها في جرم قضبان قنوانها[٢]، و بعضها في جرم نواة ثمرها و دبسها و شيرجها.
و أما العلة في جعل تركيب جسم أصلها رطبا رخوا متخلخلا فلكيما يسهل على القوى الطبيعية جذب تلك الموادّ من أسفلها إلى أعاليها و رءوس أجذاعها و فروع سعفها و أوراقها. فلو كان جرم أصلها صلبا متكاثفا مكتنزا كسائر الأشجار الطّوال كالساج[٣] و الدّلب و السّرو لعسر على القوى الطبيعية جذب تلك الموادّ إلى هناك. و لكثرة عدد عروق شجر النخل و لطافته علّة أخرى، و ذلك أن أصل جرمه لما كان مركّبا من قضبان كأنها خيوطات مجموعة متداخلة، جعل لكل خيط منها عروق ممتدة في الأرض تمتصّ بها الموادّ إلى ذلك الخيط مفردا ليسهل على الطبيعة تقسيم تلك الموادّ على تلك القضبان من أول الأمر. و لما كان تركيب جرم شجر النخل على ما ذكرنا من الرّخاوة و التّخلخل لفّت عليها الطبيعة سعفات من اللّيف على أصول مخارج سعفاتها من أجذاعها كأنها مآزر مشدودة على وسط حمّال متشمّر: كلّ ذلك لكيما تمسك أصول تلك السّعفات على جذوعها، و لا تنفصل عنها عند هزّ الرياح العاصفة لها، و لا تتصدّع تلك الجذاع من ثقل أعاليها على أسافلها عند ميلانها يمنة و يسرة عند تحريك الرياح لها.
و أما السبب الذي من أجله جعل على الطّلع الغلاف فلكيما يحفظه و يصونه من الآفات العارضة من البرد و الحرّ المفرطين، و المطر الشديد
[١] -الطلع: ما يبدو من ثمرة النخل في أول ظهورها.
[٢] -القنوان: جمع القنو، و هو العذق من النخل كالعنقود من العنب.
[٣] -الساج: شجر هندي عظيم.