رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٧٥ - فصل
تجذبها القوى الطبيعية إلى هناك، و تميّز الغليظ من اللطيف، و ترسل الليف الرقيق إلى ظاهر جرم التمرة و تجمّده عليها دبسا و شيرجا، و ترسل الغليظ الفحل إلى جرم النواة و تجمّده عليها.
و أما ثمار الجوز و اللوز و الفستق و أشباهها فتفعل بها الطبيعة مثل هذا التمييز سواء، و لكنها ترسل الغليظ الفحل إلى ظاهرها، و اللطيف الرقيق إلى باطنها بالعكس مما تفعل في ثمرة التمرة.
و أما ثمرة التين و الجمّيز فلم يميّز لطيفها من غليظها، لأن موادها و كيموسها معتدلان، و ليس بين الأجزاء الأرضيّة و الأجزاء المائيّة كثير تفاوت، فلم تحتج الطبيعة أن تميّزهما و تفصلهما مثل ما فعلت في ثمرة التمرة و الجوز و ما شاكلها من سائر الثمار، بل قد ميّزت الطبيعة تلك المادة بأجزاء أخرى، فجعلت في داخل الثمرة حبوبا صغارا، و على خارجها قشرة رقيقة ظاهرة صائنة لرطوبتها من الغبار و القذى.
و أما كيفيّة تركيب عروق شجرة التين و جرم أصولها و قضبانها و ورقها و ثمرها فهي على غير تركيب شجرة النخلة، و ذلك أن عروق التين غلاظ ذاهبات تحت الأرض في الجهات، مستقيما و معوجّا في عمقها، و فيها تجويفات مثل ما في جوف القصب، لكنها أضيق قليلا، و هكذا تركيب أصول شجر التين و قضبانها و فروعها، فيها تجويفات لطيفة، و لها عقد مثل عقد القصب، و في تلك التجويفات زئبريّة محشوّة خللها.
و أما سبب تلك التجويفات التي في عروقها و أصولها و قضبانها فهو لكيما يسهل على القوى الطبيعية الجاذبة جذب تلك الموادّ من عمق الأرض، و التي هي الأجزاء الأرضيّة و رطوبات مائيّة، إلى أصول أشجارها، و رفعها من أسافلها إلى أعالي رءوسها و أطراف فروعها، و جعلت تلك العقد في مواضع تلك التجويفات و حشيت زئبرا لكيما يسهل على القوّة الماسكة إمساك تلك الموادّ هناك لئلا ترجع إلى أسفل بثقلها، و تبقى هناك تهضمها القوة الهاضمة،