رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٤٢ - فصل
فصل
و اعلم يا أخي بأن سنن الديانات النبوية، و موضوعات النواميس الفلسفية، و مفروضات الشرائع كلّها، و مناسك بيوتات العبادات، و قرابين الهياكل و الصلوات، كلّها إشارات و مرام إلى ما أشار إليه إبراهيم خليل الرّحمن في بنائه البيت الحرام، و وضعه الحجر و المقام، و تعليمه المناسك ذرّيّته، و دعائه الناس فيهم بالحجّ إلى البيت الحرام ليشهدوا منافع لهم، و ذلك أن الإنسان العاقل اللبيب الفهيم الذكيّ، إذا حجّ و لبّى و طاف و صلّى، و رأى البيت، و شاهد كيفيّة الحجّ، و ما يفعل الحاجّ و المحرمون من عجائب سنن المناسك و مفروضاتها من الإحرام و التلبية و الطّواف و السّعي، و وقوف الحجّ بعرفات، و المبيت بالمزدلفة، و التضحية بمنى، و الحلق و الرّمي و ما شاكلها من فرائض الحجّ و سنن المناسك، و تفكّر فيها بقلب مستيقظ، و اعتبرها بعين بصيرة و نفس زكيّة، فطن لما أراده إبراهيم خليل الرحمن، ٧، فيما سنّ واحدة واحدة، و ما الغرض الأقصى منها كلّها، و عرف و فهم و اهتدى قلبه، و اهتدت نفسه، و انتبهت و أبصرت، فتراجعت، و شاهدت و رأت ما أشار اللّه تعالى إليه بقوله: «و ترى الملائكة حافّين من حول العرش يسبّحون بحمد ربهم، و يؤمنون به، و يستغفرون لمن في الأرض».
و اعلم يا أخي أن الملائكة الحافّين بالعرش هم حملة العرش، و هي الكواكب الثابتة الحافّة بالفلك التاسع من داخله، كما يحفّ الحاجّ بالبيت في طوافهم من خارجه، فهم يسبّحون بحمد ربهم كما قال: «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ» و يؤمنون به و يقرّون بأن من وراء مراتبهم و مقاماتهم أمورا أخرى هي أشرف و أعلى يقصر علمهم عنها، و يقف فهمهم دونها، كما يقرّ الحاجّ من المؤمنين بأن