رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١١٦ - فصل
قد بيّنا في رسالة المبادي العقلية ما هذه العلل في حدوث العالم و كونه، فاعرفها من هناك.
و إذ قد ذكرنا طرفا من كيفيّة تكوين المعادن، فنذكر الآن طرفا من أنواع جوهرها و خواصّ أنواعها، و ما ذكره الحكماء، فنبدأ بذكر أشرفها الذي هو الذهب و الياقوت ثم سائر ما يتلوهما نوعا فنوعا، فأما الذّهب فهو جوهر معتدل الطبائع، صحيح المزاج، نفسه متّحدة بروحه، و روحه متّحدة بجسده، و نعني بالنفس الأجزاء الهوائية، و بالروح الأجزاء المائية، و بالجسد الأجزاء الترابية. و لكن لشدة اتحاد أجزائه و ممازجتها لا يحترق بالنار، لأن النار لا تقدر على تفريق أجزائه، و هو لا يبلى في التراب و لا يصدأ على طول الزمان، و لا تغيّره الآفات العارضة، و هو جسم ليّن المعمز، أصفر اللون، حلو الطّعم، طيّب الرائحة، ثقيل رزين، صفرة لونه ناريّته. و صفاؤه و بريقه من هوائيّته، و لينه من دهنيّته، و رطوبته و ثقله و رزانته من ترابيّته. لأن كبريته كان نقيّا، و زئبقه كان صافيا، و مزاجه كان معتدلا، و حرارة المعدن طبخته على طول الزمان برفق و اعتدال. فإذا أصابته حرارة النار ذابت رطوبته، و دارت حول جسده، و رطوبته تقابل حرارة النار و تدفع عن جسده إحراقها، و إذا خرجت من النار جمدت تلك الرطوبة. و إذا طرق امتدّ تحت المطارق حارّا أو باردا، و اتّسع في الجهات و رقّ و امتدّ، و يفتل منه كالخيوط، و يقبل جميع الأشكال من الأواني و الحلى، و هو يخالط الفضة و النّحاس في السّبك، و ينفصل عنهما إذا طرح عليه المرقشيثا[١] الذهبي، لأنه جنس من الكبريت يحرق غيره و لا يحترق. و إذا سحق منه و أدخل في أدوية العين نفع، و إذا
[١] -المرقشيثا: من المعادن التي تدق و تصنع منها الأودية، ذكر ابن العطّار في منهاج الدكان أنه يستعمل مع الكحل و غيره لمداواة العين و جلاء الغشاوة عنها.