رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٤٥ - فصل في بيان صفة الرسول كيف ينبغي أن يكون
مشاكلة الطّباع و مجانسة الأخلاق، و ما وجدت عندهم من المرغوبات و اللّذّات من المأكولات و المشروبات، و ما في طباعها من الحرص و الشّره و اللؤم و البخل، و ما في جبلتها من الأخلاق المذمومة الموجودة في بني آدم مما السباع عنه بمعزل، و ذلك أن الكلاب تأكل اللّحمان ميتا و جيفا و مذبوحا قديدا و مطبوخا و مشويّا و مالحا و طريّا و جيّدا و رديئا، و ثمارا و بقولا و خبزا و لبنا و حليبا و حامضا و جبنا و سمنا و دسما و دبسا و شيرجا و ناطفا و عسلا و سويقا و كوامخا[١] و ما شاكلها من أصناف مأكولات بني آدم التي أكثر السباع لا يأكلها و لا يعرفها. و مع هذه الخصال كلّها فإن بها من الشّره و اللّؤم و البخل ما لا يمكنها أن تترك أحدا من السباع أن يدخل قرية أو مدينة مخافة أن ينازعها في شيء مما هي فيه، حتى إنه ربما يدخل أحد من بنات آوى أو بنات أبي الحصين[٢] قرية بالليل ليسرق منها دجاجة أو ديكا أو سنّورا، أو يجرّ جيفة مطروحة، أو كسرة مرميّة، أو ثمرة متغيرة، فترى الكلاب كيف تحمل عليه و تطرده و تخرجه من القرية. و مع هذا كلّه أيضا نرى بها من الذّل و المسكنة و الفقر و الهوان و الطمع ما إذا رأى في يد أحد من بني آدم من الرجال و النساء و الصبيان رغيفا أو كسرة أو تمرة أو لقمة كيف يطمع فيها و كيف يتبعه و يبصبص بذنبه و يحرّك برأسه و يحدّ النظر إلى حدقته، حتى يستحي أحدهم فيرمي بها إليه.
ثم تراه بعد كيف يعدو إليها بسرعة و كيف يأخذها بعجلة مخافة أن يسبقه إليها غيره، و كلّ هذه الأخلاق المذمومة موجودة في الإنس و الكلاب، فمجانسة الأخلاق و مشاكلة الطّباع دعت الكلاب إلى أن فارقت أبناء جنسها من السباع و استأنست من الإنس، و صارت معينتهم على أبناء جنسها من السباع.
[١] -كوامخا: صرفت المناسبة بينها و بين ما قبلها.
[٢] -ابو الحصين: الثعلب.