رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٣٠ - فصل
فصل
إن طائفة من المجادلة لمّا لم يعرفوا ما الطبيعة، نسبت أفعالها كلّها إلى الباري، جلّ جلاله، و وقعت بذلك في شبهة عظيمة و حيرة و شكوك، و ذلك لما تبيّن لهم بأن الفعل لا يكون إلّا من فاعل، و شاهدوا أفعالا لم يروا فاعلها نسبوها إلى الباري، جلّ ثناؤه، و نظروا فيها و بحثوا عنها، فوجدوا بعضها شرورا و فسادا مثل موت الأطفال و مصائب الأخيار و تسليط الأشرار و تلف الحيوانات و ما يلحقها من الأمراض و الأوجاع و الجهل و البلوى، كرهوا أن ينسبوا ذلك إلى الباري، عزّ و جل، فنسبوها إلى التّولّد بزعمهم، و منهمه من نسبها إلى البخت و الاتفاق، و منهم من نسبها إلى النجوم، و منهم من نسبها إلى الباري تعالى، و قال بالمكافأة و المجازاة، و منهم من قال بالعرض و سابق النظر، و منهم من قال بالأصلح و اللطف، و أقاويل أخرى يطول شرحها من التعديل و التجويز، فطوّلوا الخطب فيها، و قد بيّنّا طرفا من أقاويلهم في رسالة الآراء و المذاهب و الديانات فاعرفه من هناك إن شاء اللّه تعالى. و نحن قد بيّنّا أن هذه كلها أفعال الأنفس الجزئية التي هي كلها قوى النفس الكلّيّة الفلكية كما أنشأها باريها، عزّ و جل، كما ذكر بقوله تعالى:
«ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.» فما كان من هذه الأفعال خيرا نسب إلى النفس الجزئيّة الخيريّة، و ما كان منها شرّا نسب إلى الأنفس الشريرة، و عليها تقع المجازاة و المكافأة عن الثواب و العقاب.
و اعلم يا أخي أن نفسك هي إحدى النّفوس الجزئية، و هي قوّة من قوى النفس الكليّة و الفلكية، لا هي بعينها و لا منفصلة منها، كما أن جسدك جزء من أجزاء جسم العالم، لا هو كله و لا منفصل منه، فانظر الآن كيف أعمالك و أفعالك و أخلاقك و آراؤك و معارفك، فبحسب ذلك يكون جزاؤك و مكافأتك، كما قال النبي، صلى اللّه عليه و سلم: إنما هي أعمالكم تردّ إليكم.