رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨ - فصل في أنه ليس العالم فراغ
فقد بان بهذا المثال أن جملة العالم إحدى عشرة كرة، اثنتان في جوف فلك القمر، و هما الأرض و الهواء، لأن الأرض و الماء كرة واحدة، و الهواء و الأثير كرة واحدة؛ و تسع من ورائه محيطات بعضها ببعض.
فصل في أنه ليس العالم فراغ
اعلم يا أخي أن هذه الأكر محيطات بعضها ببعض كإحاطة طبقات البصل، مماسّ سطح الحاوي بسطح المحويّ، و ليس بينهما فراغ و لا خلاء إلّا فصل مشترك و همي. و قد ظنّ قوم من أهل العلم أن بين فضاء الأفلاك و أطباق السماوات و أجزاء الأمّهات مواضع فارغة، و ليس الأمر كما ظنوا، لأن معنى الخلاء هو المكان الفارغ الذي لا متمكّن فيه، و المكان صفة من صفات الأجسام لا يقوم إلّا بالجسم و لا يوجد إلّا معه.
و اعلم أن النور و الظلمة هما أيضا صفتان من صفات الأجسام، و لا يمكن أن يعقل أن موضعا في العالم لا مظلما و لا مضيئا البتّة فأين وجود الخلاء إذن؟
و اعلم أنه إنما ظن من قال بوجود الخلاء أنه لما رأى بعض الأجسام تنتقل من موضع إلى موضع آخر، توهّم أنه لو لا الخلاء لكان الملء يمنعه من الحركة و النّقلة.
و اعلم بأنه لو كانت الأجسام كلّها صلبة متماسكة الأجزاء كالحجر و الحديد، لكان الأمر كما ظنوا، و لكن لما كان بعض الأجسام رخوا لطيفا سيّالا كالماء و الهواء لم يمتنع أن تتحرّك بعض الأجسام بين أجزائه، كما يتحرّك السمك في الماء، و الطير في الهواء، و سائر الحيوانات على وجه الأرض.